صوت الصحراء
عاد النقاش حول توثيق العقار المحفّظ إلى الواجهة، بعدما وجّه عبد الحق سقري، عضو المجلس الجهوي لعدول استئنافية الرباط، انتقادات مباشرة لما اعتبره توجهاً لدى بعض الموثقين نحو احتكار هذا المجال، عبر تكريس خطاب يوحي بوجود تعارض بين مهنتي التوثيق، في حين أن الإطار القانوني – حسب قوله – لا ينص على أي صراع أو تناقض بين الجهتين.
وخلال ندوة صحفية احتضنتها الرباط، شدد سقري على أن الوثيقة العدلية تُصنف كمحرر رسمي يتمتع بكامل الحجية القانونية، شأنها شأن العقود التي يحررها الموثقون، معتبراً أن محاولة التقليل من قوتها الإثباتية لا تستند إلى أساس قانوني. وأبرز أن مهنة العدالة تضطلع تاريخياً بوظيفة التوثيق، واصفاً العدول بـ”الموثقين الأصليين”، في إشارة إلى الامتداد التاريخي للمهنة داخل المنظومة القضائية المغربية.
وأكد المتحدث أن العدول لا يسعون إلى مزاحمة أي مهنة، بل يطالبون فقط بتفعيل مقتضيات قانونية تخول لهم توثيق العقار المحفّظ، كما ينص على ذلك مشروع القانون الذي صادق عليه مجلس النواب في قراءة أولى. غير أنه أوضح أن الإشكال المطروح لا يرتبط بالاختصاص في حد ذاته، بل بغياب الآليات العملية الكفيلة بتنزيله، وعلى رأسها إقرار نظام قانوني واضح للإيداع المالي، بما يضمن حماية أموال المتعاقدين ويكرس مبدأ الأمن التعاقدي.
وفي هذا السياق، اعتبر سقري أن حصر تحصيل الأموال في جهة واحدة يفرغ مبدأ التعددية المهنية من مضمونه، ويُبقي مجال العقار المحفّظ عملياً تحت هيمنة فئة بعينها. كما انتقد التصريحات الصادرة عن وزير العدل عبد اللطيف وهبي بخصوص منع المهن القانونية من تحصيل الأموال، واصفاً إياها بغير الدقيقة، لأن العدول – بحسب تعبيره – لا يطالبون بالاحتفاظ بالأموال، بل بإطار تنظيمي يمكّنهم من ممارسة اختصاصهم تحت رقابة وضمانات قانونية واضحة.
وأشار إلى أن القانون المنظم لمهنة العدول ينص صراحة على مساهمتهم في توثيق المعاملات العقارية والمشاركة في تحصيل الجبايات لفائدة الدولة، إلى جانب اختصاصاتهم في مجال الأسرة والأحوال الشخصية، التي تشكل النواة التاريخية للتوثيق العدلي. وأضاف أن تطور المعاملات الاقتصادية واتساع السوق العقارية يفرضان تحديث آليات الاشتغال، بما يضمن التكامل بين مختلف الفاعلين بدل تكريس منطق الإقصاء.
ويأتي هذا الجدل في سياق أوسع يتصل بإصلاح منظومة العدالة وتحديث مهنها القانونية، خاصة مع تنامي أهمية العقار المحفّظ في الاستثمار وضمان الحقوق العينية. ويرى مهنيون أن إرساء قواعد واضحة لتوزيع الاختصاصات وتوحيد معايير الرقابة والتأمين المهني من شأنه أن يعزز الثقة في العقود ويحصن المعاملات من النزاعات، بعيداً عن أي صراع مهني أو حسابات فئوية.
التالي
تعليقات الزوار