مشروع حكم ذاتي موسع للصحراء يدخل مرحلة التفاوض بهندسة دستورية جديدة

صوت الصحراء
مشروع حكم ذاتي موسّع للصحراء: من مبادرة سياسية إلى نظام دستوري متكامل قيد التفاوض
في تطور لافت ضمن مسار المشاورات المرتبطة بملف الصحراء، نشر موقع “أتالايار” الإسباني ملخصاً لما قال إنه الصيغة الجديدة لمقترح الحكم الذاتي المغربي، في وثيقة تمتد على نحو أربعين صفحة، قُدمت خلال اجتماع مدريد الأخير بوساطة أمريكية وبحضور أطراف النزاع ومبعوث الأمم المتحدة ستافان دي ميستورا.
ورغم غياب تأكيد رسمي لمضمون الوثيقة، فإن ما أورده الموقع يشير إلى انتقال نوعي في المقاربة المغربية: من مبادرة سياسية عامة، كما طُرحت سنة 2007، إلى مشروع نظام مؤسساتي مفصل، أقرب إلى “قانون أساسي عضوي” مكتمل البنية، يتضمن هندسة دستورية دقيقة وآليات تنفيذ ورقابة واضحة.
هندسة قانونية دقيقة وتوزيع محكم للاختصاصات
بحسب المعطيات المنشورة، تقوم الوثيقة على إعادة تنظيم مبادرة 2007 في صيغة معيارية مادةً مادة، مع تعريفات واضحة للاختصاصات، وبنود تفسيرية، وأحكام انتقالية، وضمانات دستورية. ويبدو أن الهدف هو تقديم نموذج قابل للمقارنة مع أنظمة الحكم الذاتي المعمول بها في أوروبا، وليس مجرد عرض سياسي قابل للتأويل.
ويعتمد المشروع تقنية مزدوجة في توزيع الاختصاصات: لائحة حصرية لمجالات الدولة، وأخرى مفصلة لاختصاصات الجهة، مع قاعدة احتياطية تُبقي أي مجال غير منصوص عليه صراحة ضمن صلاحيات الدولة، ما لم يتم الاتفاق على خلاف ذلك.
وتُحصر صلاحيات الدولة في مجالات السيادة الصلبة، من قبيل الدفاع الوطني، والسياسة الخارجية، والعملة، والجنسية، والنظام القضائي الأعلى، ورموز السيادة. في المقابل، تمنح الجهة اختصاصات واسعة تشمل التخطيط الاقتصادي، والصناعة، والسياحة، والصيد البحري، والسياسات الاجتماعية، والتعليم، والصحة، والبيئة، والبنية التحتية، مع سلطة إصدار قواعد تنظيمية ملزمة في هذه المجالات.
توازن دقيق بين الحكم الذاتي ووحدة الدولة
يكرّس النص مبدأ “الولاء الدستوري” كإطار ناظم لممارسة السلطات الجهوية، بما يعني أن الحكم الذاتي يُمارس داخل وحدة الدولة وتضامنها المؤسسي. كما يتضمن بنداً يتيح للدولة، بشكل استثنائي ومؤقت، تعليق بعض الاختصاصات الجهوية في حال تهديد النظام الدستوري أو السلامة الترابية، وفق مسطرة مضبوطة وخاضعة للرقابة القانونية.
ويرى متابعون أن هذه الآلية تهدف إلى طمأنة الدولة والمجتمع الدولي بشأن استحالة تحول الحكم الذاتي إلى مسار انفصالي، لكنها قد تثير تحفظات لدى الأطراف المطالبة بصلاحيات أوسع.
برلمان جهوي بشرعية مزدوجة
يقترح المشروع إنشاء برلمان جهوي بغرفة واحدة، يجمع بين أعضاء منتخبين بالاقتراع العام المباشر وفق نظام نسبي، وأعضاء تعيّنهم القبائل الصحراوية المعترف بها، في صيغة تجمع بين التمثيل الديمقراطي والبعد الاجتماعي التقليدي. كما ينص على حصة إلزامية لتمثيل النساء، وإحداث مجلس اقتصادي واجتماعي وبيئي جهوي بصفة استشارية ملزمة في بعض القضايا، خاصة الميزانية.
ويحتفظ المنتخبون الجهويون بعضويتهم في البرلمان الوطني، بما يضمن مشاركة الجهة في القرارات السيادية الكبرى.
نقطة الخلاف: تنصيب رئيس الحكومة الجهوية
من أبرز النقاط الحساسة، وفق ما ورد، آلية تنصيب رئيس الحكومة الجهوية. فالمقترح ينص على تعيينه رسمياً من طرف الملك ضمن آلية مؤطرة، مع تمتعه بسلطات تنظيمية واسعة وقيادة الإدارة الذاتية، إضافة إلى مسؤوليته السياسية أمام البرلمان الجهوي عبر ملتمس رقابة بنّاء.
هذه الصيغة قد تشكل محور خلاف تفاوضي، في ظل مطالبة جبهة البوليساريو بانتخاب مباشر للرئيس، مقابل تمسك الرباط بصيغة التعيين لتفادي قيام قطب تنفيذي بشرعية موازية.
نظام مالي خاص ورقابة مزدوجة
يقترح النص نظاماً جبائياً جهوياً يتضمن ضرائب ترابية، وإتاوات على الموارد الطبيعية، وحصة من المداخيل الوطنية المتولدة محلياً، إلى جانب صندوق تضامن يخضع لرقابة مجلس الحسابات. كما يخضع الاستثمار الأجنبي لرقابة مزدوجة جهوية ووطنية، في ما يبدو سعياً لتحقيق توازن بين الاستقلال المالي والانسجام الاقتصادي الوطني.
مسار انتقال ومصالحة
يتضمن المشروع أحكاماً لتنظيم مشاركة سكان مخيمات تندوف، ولجنة دائمة للتحقق من الهوية وتنظيم العودة، إضافة إلى آلية انتقالية تشمل نزع السلاح وإعادة الإدماج، مع عفو منظم يستثني الجرائم الدولية.
إدماج دستوري واستفتاء وطني
يقترح النص عرض النظام على استفتاء وطني يشمل جميع الناخبين المغاربة، ثم إدماجه في الدستور عبر باب خاص يتمتع بحصانة دستورية، بحيث تتطلب أي مراجعة لاحقة أغلبيات معززة وطنياً وجهوياً. كما ينص على تقييم دوري كل خمس سنوات، مع بند يؤكد عدم القابلية للتراجع الترابي، بما يستبعد أي تأويل انفصالي.
استلهام نماذج دولية
تشير مصادر قريبة من إعداد المشروع إلى استلهامه من تجارب الحكم الذاتي في إسبانيا وغرينلاند، ومن مقاربة إدماج الاتفاقات السياسية في صلب الدستور كما في اتفاق نوميا بكاليدونيا الجديدة، مع تكييفها ضمن الإطار الدستوري المغربي.
بين التكتم الرسمي وترقب المفاوضات
يأتي نشر هذا الملخص في سياق تكتم رسمي حول تفاصيل المشاورات الجارية، ما يجعل المعلومات المتداولة مستندة حصرياً إلى ما أورده الموقع الإسباني. غير أن مضمون الوثيقة، إذا تأكد، يعكس سعياً إلى نقل النقاش من مستوى الشعارات السياسية إلى مستوى الهندسة الدستورية الدقيقة، عبر تقديم نموذج حكم ذاتي موسع داخل سيادة الدولة ووحدتها الترابية.
ويبقى مصير المقترح رهيناً بمواقف الأطراف المعنية، وبمدى قدرته على تحويل إطار التفاوض من سؤال السيادة إلى سؤال تدبير الاختصاصات في ظل دعم دولي محتمل خلال الأشهر المقبلة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد