﴿فاصبر إن وعد الله حق﴾… مسار لا تزعزعه الشائعات ولا تُثنيه الحملات

بقلم احمد حمو

لم تكن سنوات العمل الميداني التي خضتها، سواء خلال تحملي مسؤولية رئاسة فيدرالية مهنية أو من خلال انخراطي كناشط في العمل الجمعوي، مجرد تجربة عابرة في سجل المسؤوليات، بل كانت مسارًا متكاملاً من الالتزام والصبر والاختبار الحقيقي للثبات على المبدأ. فقد علمتني التجربة أن خدمة الشأن العام لا تخلو من التحديات، وأن الدفاع عن القضايا التي يؤمن بها الإنسان قد يضعه أحيانًا في مواجهة حملات تشويه ومحاولات للنيل من سمعته وكرامته، مصداقًا لقوله تعالى:
﴿وَلَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾.
غير أن تلك المحطات، على قسوتها، لم تُضعف الإرادة، بل صنعت مناعة مكتسبة قائمة على الوعي والنضج. مناعة لا تعني الانغلاق أو القسوة، بل تعني القدرة على التمييز بين النقد الموضوعي والتجريح المقصود، وبين الاختلاف المشروع والاستهداف الشخصي. فمع مرور الوقت، يدرك الإنسان أن قيمته لا تُقاس بما يُقال عنه، بل بثباته على مبادئه وصدق نواياه، كما قال عز وجل:”إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ”
لقد أكدت تجربة العمل الجمعوي ورئاسة الفيدرالية أن المسؤولية ليست لقبًا تنظيميًا بقدر ما هي التزام أخلاقي يومي، وأن السعي إلى رضا الله تعالى هو الأساس الذي يمنح للمواقف معناها. فحين يكون الهدف خدمة المجتمع بإخلاص، يصبح الضجيج الخارجي أقل تأثيرًا، ويحل محله هدوء داخلي نابع من يقين راسخ، امتثالًا لقوله تعالى:”وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ”
وكما جاء في الحديث الشريف: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك»، وهو توجيه نبوي يرسخ معنى الحماية الإلهية لمن صدقت نيته واستقام مساره.
ومؤخرًا، وفي سياق استمرار هذا المسار، تم إسناد إليّ مهمة رئاسة نادي مولودية الداخلة لكرة القدم، وهو الفريق الأول والأقدم بمدينة الداخلة. وهي مسؤولية جديدة تُضاف إلى مسار طويل من الانخراط في تدبير الشأن العام، وتفتح صفحة أخرى عنوانها خدمة الشباب والرياضة، وتعزيز روح الانتماء والعمل الجماعي داخل أحد أعرق الأندية المحلية.
إن رئاسة نادٍ عريق بحجم مولودية الداخلة ليست مجرد موقع إداري، بل أمانة ثقيلة تتطلب رؤية واضحة، وتدبيرًا عقلانيًا، وحسًا تواصليًا يجمع بين الطموح الرياضي والبعد المجتمعي. فالرياضة، كما العمل الجمعوي، مدرسة للقيم قبل أن تكون منافسة على النتائج، وهي فضاء لترسيخ الانضباط وروح الفريق والتضامن، خصوصًا في مدينة تزخر بطاقات شبابية واعدة. وفي هذا السياق، يظل قوله تعالى حاضرًا:”إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ”  “في معنى الإتقان الوارد في السنة” ، وهو توجيه يختصر فلسفة الأداء المسؤول.
هكذا يستمر المسار، بين تجربة نضالية علمتني الصبر والثبات، ومسؤوليات جديدة تعزز القناعة بأن خدمة المجتمع أشكال متعددة، لكنها تتقاطع جميعها في نقطة واحدة: الإخلاص في العمل، والصدق في النية، والبحث عن رضا الله قبل أي اعتبار آخر. قال تعالى:”فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ’
وقال النبي ﷺ: «ومن يتصبر يصبره الله»، وهي معانٍ تختزل جوهر المرحلة.
إنها رحلة لم تُبنَ على البحث عن الأضواء، بل على الإيمان بأن الأدوار تتغير، لكن المبدأ يبقى ثابتًا: أن يكون الإنسان وفيًا لقيمه، قريبًا من مجتمعه، ومطمئنًا في داخله بأن الكرامة الحقيقية تنبع من الثبات على الحق، لا من تصفيق عابر أو نقد زائل. وفي النهاية، يظل اليقين راسخًا بوعد الله:” إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا”فالصبر طريق الثابتين، والحق يعلو بثبات أهله.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد