آخر فصول الضوء… في وداع قيدوم الإذاعيين والزجّالين بالداخلة

صوت الصحراء
برحيل الأستاذ عبد اللطيف الطيبي، أحد أعمدة العمل الإذاعي والمسرحي بالجهة، تطوى صفحة من الصفحات النادرة التي خطّت حضورها في ذاكرة الإبداع بالصحراء المغربية. كان الراحل نموذجًا لذلك المبدع الذي يمشي خفيفًا على الأرض، لكنه يترك أثرًا لا يزول، مؤمنًا بأن الثقافة فعل إشراق، وبأن الكلمة حين تُقال بصدق تصبح وطنًا صغيرًا يسكنه الناس.

من دار البريهي انطلق صوته أول مرة، يحمل دفء التجربة وحميمية البدايات، ويشق طريقه بين رواد الإعلام الوطني. وحين جاءت الداخلة، كان في مقدمة من وضعوا حجر الأساس لإذاعتها الجهوية سنة 1980؛ لم يكن مجرد موظف يؤدي مهمة، بل كان روحًا تُنعش الميكروفون وتفتح للناس نافذة يومية على الفرح والذاكرة.

وبرامجُه التي رافقت المستمعين صباحًا ومسًاء لم تكن مجرد فقرات إذاعية، بل لحظات إنسانية قريبة من القلب، ينساب فيها صوته كما لو كان صديقًا يجلس إلى جانبك، يشاركك الحكاية ويصون دفء الوقت.

أما المسرح، فقد وجد فيه قلبه الحقيقي… كتب وأخرج ودرّب، ورأى في كل موهبة مشروعًا يمكن أن يكبر ويتوهج. آمن بأن الخشبة ليست منصة، بل مدرسة تكوّن الإنسان قبل الفنان، وأن كل خطوة فوقها هي إعلانٌ عن انتماء للهوية والذاكرة المشتركة.

عبر أعماله المسرحية المتنوعة، شكّل رؤية تجمع بين جرأة الفكرة وعمق المعنى، بين النقد الرشيق وروح الدعابة، وبين نبض الحياة اليومية وحلم الإنسان البسيط.

برحيله، تفقد الجهة صوتًا كان يضيء أيامها، ورجلًا ظلّ يزرع الجمال في الإذاعة والمسرح دون كلل. لم يكن الإبداع عنده ترفًا، بل مسؤولية ورسالة وعهدًا.

نودّعه اليوم بقلبٍ يثقلُه الفقد، لكن يخفّفه الامتنان… امتنانٌ لرجلٍ عاش كريمًا في عطائه، وفيًا لأرضه، مخلصًا لفنه، صادقًا مع الناس.

رحم الله عبد اللطيف الطيبي، وأسكنه فسيح الجنان، وجعل إرثه نورًا لا يخبو في ذاكرة الجهة وأجيالها.
تعازينا لأسرته ومحبيه، ولكل من عرفه واقتسم معه لحظات العمل والإبداع.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد