تسوية واسعة للمهاجرين بإسبانيا: رهان اقتصادي بغطاء إنساني

صوت الصحراء
تتجه إسبانيا نحو مرحلة جديدة في تدبير ملف الهجرة، بعد إعلان الحكومة عن إطلاق عملية استثنائية لتسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين، في خطوة تعكس تحولا واضحا في المقاربة الرسمية، من منطق الزجر إلى منطق الإدماج والتنظيم.
العملية، التي يُنتظر أن تشمل قرابة 500 ألف شخص، لا تأتي بمعزل عن السياق الاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه البلاد، إذ تواجه إسبانيا خصاصا متزايدا في اليد العاملة بعدد من القطاعات الحيوية، من بينها الفلاحة، والبناء، والخدمات، ورعاية المسنين، وهي قطاعات يعتمد جزء كبير منها فعليا على عمالة مهاجرة تشتغل خارج الإطار القانوني.
ويُنظر إلى هذه التسوية الاستثنائية باعتبارها ثمرة نقاش سياسي طويل داخل البرلمان، وضغوط مارستها قوى يسارية، خاصة حزب “بوديموس”، الذي دافع عن ضرورة إخراج مئات الآلاف من المهاجرين من الهشاشة القانونية، وربط الهجرة بالحاجيات الحقيقية لسوق الشغل بدل الاقتصار على المقاربة الأمنية.
ولا تقتصر التعديلات الجديدة على تسوية الوضعيات القائمة فقط، بل ترسم أفقا متوسط المدى، من خلال خطة تهدف إلى إدماج حوالي 300 ألف مهاجر سنويا خلال السنوات الثلاث المقبلة، في إطار مسارات قانونية ومنظمة، بما يسمح بتقليص حجم الاقتصاد غير المهيكل، وضمان حقوق الأجراء، وتحسين مداخيل الضمان الاجتماعي والضرائب.
أما من الناحية العملية، فقد وضعت السلطات الإسبانية شرطا أساسيا للاستفادة، يتمثل في إثبات التواجد داخل التراب الإسباني قبل 31 دجنبر 2025، وهو ما يجعل مسألة الوثائق عنصرا حاسما في مسار التسوية. وتشمل وسائل الإثبات كل ما من شأنه تأكيد الحضور الفعلي داخل البلاد، من وثائق السفر، إلى عقود الكراء، والفواتير، والتحويلات المالية، وحتى الشهادات الإدارية ذات التاريخ المحدد.
وفي المقابل، شددت الحكومة على الجانب الأمني، من خلال اشتراط خلو السجل الجنائي للمعنيين، سواء داخل إسبانيا أو في بلدانهم الأصلية، مع إخضاع الملفات لتدقيق أمني قد يشمل قواعد بيانات أوروبية مشتركة، في مسعى للجمع بين الإدماج وضمان الأمن العام.
ويرى متابعون أن هذا التوجه يعكس قناعة متزايدة داخل دوائر القرار الإسباني بأن الهجرة لم تعد ظاهرة ظرفية، بل مكونا بنيويا في الاقتصاد والمجتمع، وأن تدبيرها يمر عبر التقنين والاعتراف، لا عبر الإقصاء أو التغاضي.
وفي حال نجاح هذه العملية، يُتوقع أن تُحدث أثرا مباشرا على أوضاع آلاف الأسر المهاجرة، من حيث الاستقرار القانوني، والولوج إلى الشغل النظامي، والخدمات الاجتماعية، كما قد تشكل نموذجا أوروبيا جديدا في التعامل مع الهجرة غير النظامية، في وقت تتجه فيه دول أخرى نحو تشديد القيود بدل مراجعتها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد