غرفة الصيد البحري الأطلسية الوسطى بأكادير تؤكد خيار الاستدامة وتعزيز العمل التشاركي لمواجهة تحديات المرحلة
صوت الصحراء
في سياق يتسم بدقة المرحلة وتعدد التحديات، انعقدت الدورة العادية لغرفة الصيد البحري الأطلسية الوسطى بأكادير بروح يغلب عليها استحضار البعد الوطني والمسؤولية الجماعية. وقد شكلت كلمة رئيس الغرفة، فؤاد بنعلالي، لحظة تأكيد على أن تدبير الشأن المهني لم يعد يقتصر على معالجة القضايا القطاعية الضيقة، بل بات مرتبطاً بسياق وطني أوسع تفرضه التحولات المناخية والاقتصادية والاجتماعية.
وفي مستهل كلمته، عبر الرئيس عن تضامن مهنيي القطاع مع ضحايا الفيضانات التي مست عدداً من المناطق الشمالية للمملكة، مشيداً بحجم التعبئة الوطنية التي تمت بتوجيهات من محمد السادس، ومعتبراً أن مثل هذه الأزمات، رغم قسوتها، تبرز تماسك النسيج المجتمعي المغربي وقدرته على التحرك الجماعي لمواجهة الطوارئ. وأكد أن مؤسسة الغرفة، باعتبارها هيئة دستورية تمثل المهنيين، منخرطة في كل المبادرات التضامنية التي تعزز منسوب الثقة والتكافل داخل المجتمع.
وبالانتقال إلى الشأن المهني، شدد بنعلالي على أن قطاع الصيد البحري يعيش مرحلة دقيقة تتقاطع فيها رهانات الاستدامة البيئية مع متطلبات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. فالتقلبات المناخية، وارتفاع كلفة المدخلات، وتطور المعايير الدولية المرتبطة بالجودة والتتبع، كلها عوامل تفرض إعادة ترتيب الأولويات واعتماد مقاربة أكثر تكاملاً تقوم على التخطيط الاستباقي، وتبادل المعطيات، وتعزيز التنسيق بين الإدارة والمهنيين.
وفي هذا الإطار، أبرز أن مشروع ميزانية سنة 2026 لا ينبغي النظر إليه كوثيقة مالية تقنية فحسب، بل كخريطة طريق لتقوية أدوار الغرفة في التأطير والترافع والمواكبة، خاصة في ما يتعلق بدعم التكوين المستمر، وتحسين شروط السلامة البحرية، وتشجيع الممارسات المسؤولة التي تضمن استدامة الثروات السمكية. كما أشار إلى أهمية الاستثمار في الرقمنة وتحديث آليات التواصل مع المهنيين لتقريب المعلومة وتعزيز الشفافية.
وتوقفت الكلمة عند عدد من الأوراش التنظيمية ذات الأثر المباشر على توازن المصايد، من بينها مراجعة بعض المقتضيات المرتبطة بالأحجام التجارية الدنيا لبعض الأصناف، بما ينسجم مع مبادئ التدبير المعقلن للمخزون السمكي ويحمي دورة تجدد الموارد. كما تم التطرق إلى ورش اعتماد الصناديق البلاستيكية الموحدة في عمليات البيع بالمزاد العلني، باعتباره خطوة عملية نحو تنظيم أفضل لسلسلة التسويق، والحد من الفوضى، وتحسين جودة المنتوج وضمان شروط صحية ملائمة، مع التشديد على ضرورة اعتماد تنزيل تدريجي يراعي القدرة التكيفية للمهنيين الصغار والمتوسطين.
وفي ما يخص أسطول الصيد بالجر، أكد الرئيس أن أي إجراء تنظيمي، بما في ذلك مبدأ التقسيم المجالي، ينبغي أن يستند إلى معطيات علمية دقيقة وحوار مهني مسؤول، يوازن بين حماية النظم البيئية البحرية وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي ومناصب الشغل المرتبطة به. كما نبه إلى أن الاستدامة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق دون تحسين الوضعية الاجتماعية لبحارة الصيد بأعالي البحار، من خلال تعزيز الحماية الاجتماعية، وتجويد ظروف العمل، وتكريس مقاربة إنصاف تعترف بدورهم المحوري في المنظومة الإنتاجية.
واختُتمت أشغال الدورة بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة تستدعي مزيداً من التعبئة الداخلية، وتثمين روح العمل الجماعي، والانفتاح على مختلف الشركاء المؤسساتيين والمهنيين، من أجل بلورة توصيات عملية قادرة على رفع تنافسية القطاع وتعزيز مساهمته في الأمن الغذائي والتنمية المجالية. فاستدامة الصيد البحري لم تعد خياراً، بل أصبحت ضرورة استراتيجية تفرضها التحولات الوطنية والدولية على حد سواء.