صوت الصحراء
عاد ملف الأوضاع المهنية والاجتماعية لمربيات ومربي التعليم الأولي إلى طاولة الحوار الحكومي والنقابي، عقب اجتماع احتضنه مقر وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، الأربعاء 21 أكتوبر الجاري، بحضور الوزير محمد نبيل بنعبد الله، والوزير المنتدب المكلف بالتعليم الأولي ومحاربة الهدر المدرسي، كمال الهشومي، وممثلين عن النقابات التعليمية الخمس الأكثر تمثيلية.
وشكل اللقاء مناسبة لطرح جملة من الانشغالات المرتبطة بظروف اشتغال العاملين في هذا القطاع، في وقت تتزايد فيه المطالب بتحسين أوضاعهم المهنية والاجتماعية، وضمان شروط عمل أكثر استقراراً، بما ينسجم مع المكانة التي بات يحتلها التعليم الأولي ضمن منظومة التربية والتكوين بالمغرب.
وخلال الاجتماع، أكد المسؤولان الحكوميان استعدادهما للاطلاع على المطالب التي تقدم بها ممثلو الشغيلة، ودراسة مختلف الإشكالات المطروحة، مع البحث عن السبل الممكنة لمعالجتها وتحسين ظروف العمل داخل مؤسسات التعليم الأولي.
ورغم أن اللقاء لم يسفر، وفق المعطيات المتاحة، عن الإعلان عن إجراءات تنفيذية محددة أو جدول زمني للاستجابة للمطالب، فإن تأكيد مواصلة النقاش بشأن هذا الملف يفتح المجال أمام مرحلة جديدة من التشاور بين الوزارة والهيئات النقابية المعنية.
خمسة تنظيمات نقابية تعرض انشغالات الشغيلة
وعرف الاجتماع مشاركة ممثلين عن خمس نقابات تعليمية الأكثر تمثيلية، ويتعلق الأمر بالجامعة الوطنية للتعليم التابعة للاتحاد المغربي للشغل، والنقابة الوطنية للتعليم التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، والجامعة الحرة للتعليم التابعة للاتحاد العام للشغالين بالمغرب، والجامعة الوطنية للتعليم، فضلاً عن النقابة الوطنية للتعليم التابعة للفيدرالية الديمقراطية للشغل.
وانصب النقاش على القضايا التي تهم مربيات ومربي التعليم الأولي، في ظل استمرار المطالب الرامية إلى تحسين الوضعية المهنية، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتوفير شروط اشتغال تضمن الاستقرار الوظيفي والارتقاء بمستوى الأداء التربوي.
وأفادت مصادر نقابية بأن الاجتماع جرى في أجواء اتسمت بالمسؤولية والانفتاح على مختلف وجهات النظر، مع التأكيد على أهمية مواصلة الحوار والتنسيق بين الوزارة والنقابات، باعتبارهما مدخلاً لمعالجة الملفات العالقة وتجاوز الصعوبات التي تواجه العاملين في القطاع.
كما أبدى ممثلو النقابات تفهماً للمرحلة التي تمر منها الحكومة في بداية تشكيلها، مع التأكيد على ضرورة منح المسؤولين المعنيين الوقت الكافي لدراسة المطالب المطروحة، دون التخلي عن مواصلة الترافع بشأنها.
ظروف العمل والاستقرار المهني في صلب المطالب
ويأتي هذا اللقاء في سياق نقاش متواصل حول الوضعية المهنية لمربيات ومربي التعليم الأولي، الذين يضطلعون بدور أساسي في استقبال الأطفال خلال السنوات الأولى من مسارهم التعليمي، ومساعدتهم على اكتساب المهارات الأولية التي تمهد لاندماجهم في التعليم الابتدائي.
وتكتسي ظروف اشتغال هذه الفئة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المهام التربوية التي تضطلع بها، والتي تتطلب التأطير المستمر، والتعامل اليومي مع الأطفال، والتواصل مع الأسر، إلى جانب الإسهام في تنمية القدرات اللغوية والمعرفية والاجتماعية للمتعلمين الصغار.
وفي هذا السياق، تبرز ملفات الأجور، والاستقرار المهني، والتغطية الصحية، والحماية الاجتماعية، والتكوين المستمر، ضمن القضايا التي تحظى باهتمام واسع في النقاش المتعلق بأوضاع العاملين في التعليم الأولي، مع ضرورة التمييز بين المطالب التي تتبناها الهيئات النقابية والمقترحات التي يمكن أن تعتمدها الجهات الحكومية المختصة.
ويرتبط النقاش حول هذه الملفات أيضاً بمسألة الاعتراف بقيمة العمل التربوي الذي تقوم به المربيات والمربون، وبأهمية توفير بيئة مهنية تساعدهم على أداء مهامهم في ظروف ملائمة، بعيداً عن الإكراهات التي قد تؤثر في الاستقرار المهني وجودة التأطير التربوي.
التعليم الأولي.. ركيزة أساسية في إصلاح المنظومة التربوية
ويحظى التعليم الأولي بمكانة متقدمة في السياسات الرامية إلى إصلاح المدرسة المغربية، بالنظر إلى دوره في تنمية قدرات الأطفال خلال مرحلة عمرية حاسمة، والحد من الفوارق في فرص التعلم، وتعزيز استعداد المتعلمين للانتقال إلى التعليم الابتدائي.
وقد شهد هذا القطاع توسعاً خلال السنوات الأخيرة، في إطار الجهود الرامية إلى توسيع الاستفادة من التعليم الأولي وتحسين جودته، خصوصاً في المناطق القروية والمجالات التي تواجه صعوبات في الولوج إلى الخدمات التربوية.
غير أن توسيع العرض التعليمي يطرح، في المقابل، تحديات مرتبطة بتأهيل الموارد البشرية، وضمان التكوين الملائم، وتحسين ظروف العمل، وتوفير الوسائل التربوية الضرورية، بما يسمح بتحقيق التوازن بين تعميم الاستفادة من التعليم الأولي وضمان جودة الخدمات المقدمة للأطفال.
ويجعل هذا الواقع من أوضاع المربيات والمربين عنصراً أساسياً في أي نقاش حول تطوير القطاع، إذ لا يرتبط نجاح البرامج التربوية بالبنيات والفضاءات التعليمية وحدها، بل يتوقف أيضاً على كفاءة الأطر المشرفة عليها واستقرارها المهني وقدرتها على مواكبة احتياجات الأطفال.
الحوار الاجتماعي أمام اختبار الاستجابة للمطالب
ويعيد الاجتماع الأخير التأكيد على أهمية الحوار الاجتماعي في معالجة الملفات المرتبطة بالشغيلة التعليمية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بفئات تضطلع بمهام تربوية مباشرة داخل المؤسسات التعليمية.
فبين عرض المطالب النقابية ودراستها من طرف الجهات الحكومية، تظل الخطوة الأساسية هي الانتقال من تبادل وجهات النظر إلى بلورة حلول عملية، تستند إلى تشخيص دقيق للإشكالات المطروحة، وتحديد الإجراءات الممكنة لتنفيذها وفق الإمكانات المتاحة والإطار القانوني المنظم للقطاع.
ومن شأن استمرار التواصل بين الوزارة والنقابات أن يساهم في توضيح الأولويات، وتقريب وجهات النظر، وتفادي تراكم الملفات الاجتماعية والمهنية، شريطة أن تواكب الاجتماعات مخرجات واضحة وآليات للتتبع والتقييم.
وفي المقابل، تظل انتظارات المربيات والمربين مرتبطة بمدى قدرة هذا المسار على تحقيق نتائج ملموسة في حياتهم المهنية، خصوصاً فيما يتعلق بتحسين ظروف الاشتغال وتعزيز الاستقرار والاعتراف بالأدوار التي يؤدونها داخل منظومة التربية والتكوين.
ما الخطوات المنتظرة بعد الاجتماع؟
ورغم الأجواء الإيجابية التي أحاطت باللقاء، فإن الأنظار تتجه إلى الخطوات المقبلة التي ستعتمدها الوزارة لدراسة الملف المطلبي، ومدى إمكانية تحويل الالتزامات المعلنة بشأن مواصلة الحوار إلى إجراءات محددة تستجيب للانتظارات المطروحة.
ولم تتضمن المعطيات المتاحة إعلاناً عن اتفاق نهائي بشأن المطالب، أو تحديد مواعيد لتنفيذ تدابير جديدة، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة مرتبطة بما ستسفر عنه المشاورات بين المسؤولين الحكوميين وممثلي النقابات.
وفي انتظار ذلك، يبقى تحسين أوضاع مربيات ومربي التعليم الأولي أحد الملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع رهانات الإصلاح التربوي، بالنظر إلى العلاقة المباشرة بين ظروف عمل الأطر التربوية وجودة الخدمات المقدمة للأطفال.
وبين تأكيد الحكومة استعدادها لدراسة المطالب وتمسك النقابات بمواصلة الترافع بشأنها، يظل التحدي الأساسي هو ضمان استمرارية الحوار وتحقيق تقدم فعلي في الملفات المطروحة، بما يوازن بين تحسين الوضعية المهنية للعاملين والارتقاء بالتعليم الأولي باعتباره مرحلة أساسية في بناء المسار الدراسي للأجيال المقبلة.