المادة 77 من قانون المسطرة المدنية الجديد.. هل يشكل غياب البريد الإلكتروني للمدعى عليه سبباً لعدم قبول الدعوى؟

 

صوت الصحراء

قراءة قانونية للأستاذ حميد حراش، رئيس المحكمة الابتدائية بالخميسات، تدعو إلى التمييز بين البيانات الإلزامية للمقال الافتتاحي للدعوى وشروط قبوله، وتستند إلى بنية النص التشريعي وغايات الرقمنة وضمان الحق في التقاضي.

أثار تفسير البند السادس من المادة 77 من القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية نقاشاً قانونياً وقضائياً، عقب صدور أمر عن رئيس المحكمة التجارية بالدار البيضاء قضى برفض طلب لعدم تضمين المقال الافتتاحي للدعوى عنوان البريد الإلكتروني. وقد أعاد هذا المستجد إلى الواجهة إشكالية دقيقة تتعلق بحدود الإلزام في البيانات الشكلية للدعوى، ومدى جواز ترتيب جزاء عدم القبول على إغفال بيان تتباين إمكانية الحصول عليه بحسب طبيعة الطرف المعني.

وفي خضم هذا النقاش، يقدم الأستاذ حميد حراش، رئيس المحكمة الابتدائية بالخميسات، قراءة قانونية تقوم على تحليل بنية المادة 77 وربطها بمقتضيات التبليغ الإلكتروني الواردة في القانون ذاته، منطلقاً من ضرورة فهم النصوص المسطرية في سياقها التشريعي المتكامل، بعيداً عن الاقتصار على القراءة الحرفية المنعزلة عن الغاية التي وُضعت من أجلها.

وتنتهي هذه القراءة إلى ترجيح تفسير مفاده أن إلزامية تضمين البريد الإلكتروني المنصوص عليها في البند السادس من المادة 77 تنصرف إلى المدعي الشخص الاعتباري، ولا تمتد بالضرورة إلى المدعى عليه، بما يجعل غياب هذا البيان بالنسبة إلى الطرف الأخير غير كافٍ، في حد ذاته، لتبرير عدم قبول الدعوى.

بنية المادة 77 مفتاح لفهم نطاق الإلزام

ينطلق الأستاذ حراش من ملاحظة أساسية تتعلق بالترتيب الذي اعتمده المشرع في تحديد البيانات الواجب تضمينها في المقال الافتتاحي للدعوى. فالمادة 77 تستهل ببيانات مشتركة بين المدعي والمدعى عليه، تشمل الاسم الشخصي والعائلي والصفة والموطن أو محل الإقامة، قبل أن تنتقل إلى بيانات أخرى ترتبط بالمدعي، بحسب صفته وطبيعة تمثيله القانوني.

وفي هذا السياق، يفرض البند الثالث، وفق الحالات المحددة فيه، تضمين رقم البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية أو ما يقوم مقامها، كما يتناول البند الرابع البيانات المتعلقة بالوكيل غير المحامي عند الاقتضاء. أما البند الخامس، فيحدد البيانات الواجب تضمينها عندما يقدم المقال بواسطة محام، بما فيها اسمه الشخصي والعائلي ورقمه الوطني والهيئة التي ينتمي إليها وعنوان بريده الإلكتروني.

وبعد هذه المقتضيات، يأتي البند السادس لينظم البيانات الخاصة بالشخص الاعتباري، من خلال التنصيص على اسمه وممثله القانوني ونوعه ومقره الاجتماعي أو مقر الفرع التابع له، وعنوانه المضمن في السجل التجاري، فضلاً عن عنوان بريده الإلكتروني.

ويعتبر حراش أن وضع هذا البند ضمن التسلسل التشريعي للمادة يقتضي قراءته في ضوء طبيعة البيانات التي سبقته، وفي علاقتها بالالتزامات المسطرية الملقاة على عاتق المدعي. فالمشرع، بحسب هذا التأويل، لم ينص بصورة صريحة على أن البريد الإلكتروني للشخص الاعتباري المدعى عليه يجب أن يكون متوفراً لدى المدعي تحت طائلة عدم قبول دعواه.

غير أن الحسم في هذه المسألة لا ينبغي أن يتوقف عند ترتيب الفقرات وحده، بل يستدعي أيضاً استحضار بقية مقتضيات القانون، ولا سيما الأحكام المنظمة للتبليغ والاستدعاء الإلكترونيين.

الرقمنة القضائية.. لماذا يكتسي البريد الإلكتروني أهمية خاصة؟

يربط الأستاذ حراش بين البيان موضوع النقاش وبين التحول الرقمي الذي جاء به القانون رقم 58.25، خصوصاً في القسم الحادي عشر منه، المتعلق برقمنة المساطر والإجراءات القضائية، ضمن المواد من 623 إلى 639.

وفي هذا الإطار، يستند إلى المادة 629 التي تنص على توجيه الاستدعاء بطريقة إلكترونية إلى المدعي أو وكيله أو محاميه، حسب الحالة، مع توجيه استدعاء ونسخة من المقال إلى المدعى عليه وفق مقتضيات المواد من 81 إلى 87.

ويقرأ حراش هذا التمييز باعتباره مؤشراً تشريعياً على اختلاف طريقة الاستدعاء بين طرفي الدعوى؛ إذ خص المشرع المدعي بالاستدعاء الإلكتروني في الحالة المنصوص عليها، بينما أحال بالنسبة إلى المدعى عليه على القواعد المنظمة للتبليغ الواردة في المواد المذكورة.

ومن ثم، يرى أن اشتراط عنوان البريد الإلكتروني للمدعي الشخص الاعتباري ينسجم مع الوظيفة العملية لهذا البيان داخل منظومة الرقمنة القضائية، في حين أن تحميل المدعي مسؤولية تقديم البريد الإلكتروني لخصمه قد يطرح صعوبات عملية لا تتناسب مع طبيعة الالتزامات التي يستطيع الوفاء بها.

وتكتسب هذه الحجة أهميتها من ضرورة الربط بين البيانات المطلوبة في المقال وبين الغرض الإجرائي الذي يُراد تحقيقه من خلالها، حتى لا تتحول الرقمنة من وسيلة لتيسير الولوج إلى القضاء إلى مصدر لتعقيد المساطر.

لا تكليف بمستحيل.. وحدود مسؤولية المدعي

من بين المرتكزات التي تقوم عليها هذه القراءة، استحضار قاعدة “لا تكليف بمستحيل”، باعتبارها مبدأً موجهاً لفهم الالتزامات المسطرية، خاصة عندما يتعلق الأمر ببيانات لا يملك أحد أطراف الدعوى وسيلة مؤكدة للحصول عليها.

فالمدعي يستطيع، من حيث المبدأ، تحديد عنوان بريده الإلكتروني أو البريد المعتمد للتواصل معه، كما يمكن مطالبته بتقديم البيانات التي تدخل في نطاق معرفته وسيطرته القانونية والفعلية. لكن الأمر يختلف عندما يتعلق الأمر بالبريد الإلكتروني لخصمه، ولا سيما إذا كان هذا الأخير شخصاً اعتبارياً لا تتوافر بيانات التواصل الخاصة به بصورة علنية أو موثوقة.

وفي مثل هذه الحالات، فإن ترتيب جزاء عدم القبول على غياب معلومة يتعذر على المدعي الحصول عليها قد يفضي إلى نتيجة غير متوازنة، تتمثل في حرمانه من عرض النزاع على القضاء بسبب عنصر لا يملك التحكم فيه.

ويستحضر هذا الطرح الفصل 118 من الدستور المغربي، الذي يكرس حق التقاضي لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون. ومؤدى ذلك أن تفسير القواعد المسطرية ينبغي أن يراعي، إلى جانب متطلبات التنظيم القضائي، ضمان عدم فرض قيود شكلية غير متناسبة على ممارسة هذا الحق.

ولا يعني هذا المبدأ، بطبيعة الحال، إعفاء المتقاضين من احترام البيانات التي يوجبها القانون صراحة، وإنما يدعو إلى التمييز بين الالتزام الذي يمكن تنفيذه بصورة معقولة وبين الشرط الذي قد يستحيل الوفاء به في بعض الوقائع، مع مراعاة الجزاء الذي رتبه المشرع على الإخلال بكل مقتضى.

إعمال النص لا تعطيله.. أي تفسير يحقق الغاية التشريعية؟

يعزز الأستاذ حراش موقفه بقاعدة تفسيرية معروفة في الفقه القانوني، مفادها أن إعمال النص أولى من إهماله أو تفسيره على نحو يجرده من أثره العملي.

فإذا احتمل النص أكثر من قراءة، فإن المنهج التفسيري السليم يقتضي البحث عن المعنى الذي ينسجم مع بقية المقتضيات القانونية ويحقق الغاية التي استهدفها المشرع، دون تحميل العبارة ما لا تحتمل أو إفراغها من مضمونها.

وبتطبيق هذا المنهج على البند السادس من المادة 77، يرى حراش أن ربط البريد الإلكتروني للشخص الاعتباري بالمدعي يجعل لهذا البيان وظيفة إجرائية واضحة، بالنظر إلى مقتضيات المادة 629 المتعلقة بالاستدعاء الإلكتروني.

أما توسيع نطاق الإلزام ليشمل المدعى عليه، فيعتبره تأويلاً قد يؤدي إلى تحميل المدعي التزاماً لا تتوافر له دائماً الوسائل الضرورية لتنفيذه، فضلاً عن احتمال ترتيب جزاء إجرائي قاسٍ بسبب نقص في معلومة لا يملكها.

وتستمد هذه الحجة قوتها، وفق هذا الاتجاه، من ضرورة قراءة المادة 77 والمادة 629 باعتبارهما جزءاً من منظومة تشريعية واحدة، لا باعتبار كل مادة مقتضى مستقلاً عن الآخر.

بين إلزامية البيانات وشروط قبول الدعوى

يتجاوز النقاش حدود تحديد الطرف الملزم بتقديم البريد الإلكتروني، ليطرح سؤالاً أعمق حول العلاقة بين البيانات التي يتعين تضمينها في المقال الافتتاحي للدعوى وبين الجزاء المترتب على الإخلال بها.

فليس كل نقص في البيانات الشكلية يؤدي بالضرورة إلى النتيجة نفسها، إذ يتعين التمييز بين طبيعة البيان، ووضوح الإلزام التشريعي بشأنه، وإمكانية استدراك النقص، والجزاء الذي يقرره القانون صراحة أو يمكن استخلاصه من مقتضياته ذات الصلة.

ومن هذه الزاوية، تبرز أهمية اعتماد تفسير متوازن لا يفرط في الشكلية على حساب الحق في التقاضي، ولا يقلل في المقابل من قيمة البيانات التي وضعها المشرع لتنظيم العمل القضائي وتيسير التواصل بين المحكمة والأطراف.

كما أن استقرار الاجتهاد القضائي بشأن هذه المسألة يكتسي أهمية خاصة، بالنظر إلى ما قد يترتب عن اختلاف التأويلات من تباين في التعامل مع المقالات الافتتاحية للدعاوى، وما يستدعيه ذلك من وضوح في الممارسة القضائية وتوقعات المتقاضين والمهنيين.

الحاجة إلى توحيد التأويل وتعزيز الأمن القضائي

إن الجدل الذي أثاره تطبيق المادة 77 يكشف عن أهمية مواكبة دخول القواعد المسطرية الجديدة حيز التطبيق بقراءات قضائية وفقهية متأنية، تساعد على تحديد نطاق الالتزامات الشكلية وتفادي التباين في تفسيرها.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى توضيحات مؤسساتية أو اجتهادات قضائية مستقرة تحسم في المقصود بالبريد الإلكتروني الوارد في البند السادس، وتحدد ما إذا كان الإلزام ينصرف إلى المدعي الشخص الاعتباري وحده أم يشمل أيضاً المدعى عليه، مع بيان الأثر القانوني المترتب على عدم الإدلاء به في كل حالة.

كما أن تعزيز الأمن القضائي يقتضي أن تكون المتطلبات الشكلية واضحة وقابلة للتنفيذ، وأن تظل الغاية من الرقمنة هي تبسيط الإجراءات وتسريعها، لا استحداث عوائق جديدة أمام المتقاضين.

وتظل هذه المسألة، في نهاية المطاف، مرتبطة بمدى انسجام تفسير النص مع بنيته الداخلية، وبقية مقتضياته، والمبادئ الدستورية المؤطرة للحق في التقاضي.

 

تخلص قراءة الأستاذ حميد حراش إلى أن البريد الإلكتروني المنصوص عليه في البند السادس من المادة 77 من القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية ينبغي، وفق تفسيره، أن يُفهم باعتباره بياناً مطلوباً من المدعي الشخص الاعتباري، بالنظر إلى ترتيب البيانات داخل المادة، وطبيعة الاستدعاء الإلكتروني المنظم بموجب المادة 629، ومقتضيات ضمان الحق في التقاضي، فضلاً عن قاعدة إعمال النص وتحقيق غايته.

ووفق هذا الاتجاه، لا ينبغي اعتبار غياب البريد الإلكتروني للمدعى عليه الشخص الاعتباري سبباً مستقلاً وكافياً لعدم قبول الدعوى، ما دام هذا التأويل لم يُحسم فيه بصورة نهائية، وما دامت المسألة تستدعي قراءة متكاملة للمقتضيات القانونية ذات الصلة.

وتكمن أهمية هذه القراءة في أنها لا تكتفي بمناقشة بيان شكلي، بل تفتح نقاشاً أوسع حول فلسفة المسطرة المدنية الجديدة، وحدود الشكلية الإجرائية، والتوازن المطلوب بين فعالية العدالة الرقمية وضمانات الولوج إلى القضاء.

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد