صوت الصحراء
في سابقة تعكس تحوّلاً لافتاً داخل منظومة الحوكمة البحرية الدولية، انتُخبت المغربية زكية الدريوش رئيسة للجنة الدولية للمحافظة على التونة الأطلسية خلال الاجتماع السنوي المنعقد بمدينة إشبيلية الإسبانية، لتصبح بذلك أول امرأة تتولى قيادة هذه الهيئة العالمية التي تشرف على أحد أهم الموارد البحرية الاستراتيجية في المحيط الأطلسي. ويأتي هذا الاختيار تتويجاً لمسار مهني ودبلوماسي حافل، ورسالة اعتراف دولي بالدور المتنامي للمغرب في مجالات الاستدامة وإدارة المصايد.
وجاء فوز الدريوش مدعوماً بإجماع واسع من قوى دولية مؤثرة، من بينها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة واليابان وكندا والمملكة المتحدة، إضافة إلى دول عربية وإفريقية وأخرى من أمريكا الوسطى. هذا الدعم لم يكن وليد اللحظة، بل امتداداً لأربع سنوات من الحضور الفاعل للمسؤولة المغربية داخل اللجنة كنائب أول للرئيس، حيث بصمت على أداء لافت في الدفاع عن مقاربات تدبيرية مبنية على الحكامة والشفافية وحماية المخزون البحري في ظل تحديات مناخية واقتصادية متصاعدة.
ويأتي هذا الانتخاب في لحظة حساسة يشهد فيها الأطلسي ضغوطاً متزايدة على مخزون التونة والأنواع المرتبطة بها، ما يفرض إعادة تقييم سياسات الاستغلال وتطوير أدوات أكثر صرامة للرصد والمراقبة. وتعوّل عدة أطراف داخل اللجنة على الخبرة المغربية في هذا المجال، وخاصة ما راكمته المملكة من إنجازات عبر مخطط “أليوتيس” الذي أسس لنموذج وطني في مراقبة المصايد، وتأهيل الأطر العلمية، واعتماد تقنيات حديثة لمتابعة نشاط السفن وتعزيز قواعد البيانات البحرية.
وتحمل رئاسة الدريوش بعداً رمزياً لافتاً، إذ تبرز قدرة المرأة المغربية على تولي مناصب قيادية داخل قطاعات تقنية غالباً ما ظلت حكراً على الرجال. كما تعكس ثقة المجتمع الدولي في قدرة المغرب على تقديم كفاءات تجمع بين الرؤية الدبلوماسية الصائبة والخبرة العلمية الضرورية لضمان استدامة الموارد البحرية، في وقت أصبح فيه مستقبل التونة الأطلسية مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالبحث العلمي والحكامة المسؤولة.
ومن المنتظر أن تمنح هذه الرئاسة زخماً جديداً لحضور المغرب داخل فضاءات التعاون متعدد الأطراف، وأن تدعم توجه اللجنة نحو اعتماد مقاربة أكثر شمولية واستدامة في تدبير المصايد، مع التركيز على التوازن بين حماية البيئة البحرية وتأمين التنمية الاقتصادية للمجتمعات الساحلية. كما تمثّل هذه الخطوة فرصة للمملكة لتأكيد ريادتها الإقليمية والدولية في مجال المحافظة على الثروات البحرية، وترسيخ التزامها بضمان مستقبل مستدام للأجيال القادمة.