غرام على حساب الشعب.. عندما تتداخل المصالح الخاصة مع المال العام

بقلم : محمد الحبيب هويدي

ليست المشكلة في العلاقات الشخصية أو الروابط العائلية التي تجمع بين الناس، وإنما تبدأ عندما تتقاطع هذه العلاقات مع المسؤولية العمومية، وتصبح محل تساؤل بشأن مدى احترام القانون ومبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص. فالمناصب العامة وُضعت لخدمة المواطنين، وليست وسيلة لتحقيق مكاسب خاصة أو توفير امتيازات للأقارب والمقربين.

ومن هنا يطرح موضوع تدبير المال العام إشكالية حساسة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمسؤولين قد تتداخل مصالحهم الشخصية أو العائلية مع مواقعهم الإدارية والسياسية. ففي مثل هذه الحالات، يصبح من الضروري معرفة ما إذا كانت القرارات المتخذة تستند إلى القانون والمصلحة العامة، أم أن هناك عوامل أخرى قد تؤثر في توجيه الموارد أو توزيع الامتيازات.

إن عنوان “غرام على حساب الشعب” ليس سوى تعبير رمزي عن وضع تصبح فيه أموال المواطنين، بدل أن تُوجَّه إلى التنمية وتحسين الخدمات العمومية، محاطة بشبهات تتعلق باستفادة أشخاص أو دوائر محدودة من النفوذ والامتيازات. فالمال العام ليس ملكًا للمسؤول الذي يشرف عليه، ولا إرثًا عائليًا يمكن التصرف فيه وفق اعتبارات القرب والولاء، بل هو أمانة تفرض حماية صارمة ومراقبة مستمرة.

وتزداد حساسية هذا الموضوع عندما تكون هناك روابط زوجية أو عائلية بين أشخاص يشغلون مواقع مؤثرة في الإدارة أو السياسة أو الاقتصاد. فهذه الروابط لا تشكل في حد ذاتها مخالفة، ولا يجوز اعتبارها دليلًا على وجود فساد، لكنها قد تثير تساؤلات مشروعة إذا ارتبطت بصفقات عمومية أو قرارات إدارية أو امتيازات مالية تستدعي التحقق من مدى احترام قواعد المنافسة وتضارب المصالح.

والأصل أن تكون الفرص متاحة للجميع على أساس الكفاءة والاستحقاق، وأن تخضع الصفقات والتعيينات والقرارات المالية لمعايير واضحة يمكن مراقبتها ومراجعتها. أما إذا شعر المواطن بأن القرب من أصحاب القرار يمنح صاحبه امتيازات لا تتوفر للآخرين، فإن الثقة في المؤسسات تتراجع، ويحل الشك محل الاطمئنان إلى عدالة الإدارة ونزاهة المسؤولين.

ولا تقتصر أضرار سوء تدبير المال العام على الخسائر المالية المباشرة، بل تمتد إلى تعطيل المشاريع التنموية، وإضعاف جودة الخدمات الصحية والتعليمية، والتأثير في فرص الشغل والاستثمار. فكل مبلغ يُصرف خارج الأهداف المخصصة له قد يعني، في المقابل، مشروعًا لم يُنجز أو خدمة لم تصل إلى مستحقيها أو فرصة ضاعت على مواطن كان ينتظرها.

ومن أجل ذلك، لا يكفي الاكتفاء بالخطب التي تدعو إلى النزاهة ومحاربة الفساد، بل لا بد من إجراءات عملية تضمن الشفافية في تدبير الصفقات العمومية، والتصريح بالمصالح عند الاقتضاء، ومنع المسؤولين من المشاركة في القرارات التي قد تحقق لهم أو لأقاربهم منافع مباشرة أو غير مباشرة، مع تفعيل آليات المراقبة والمحاسبة وفق القانون.

كما أن دور المؤسسات الرقابية والقضاء لا ينبغي أن يظل مرتبطًا بظهور فضائح أو انتشار اتهامات في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي. فالمطلوب هو رقابة منتظمة وفعالة، تقوم على فحص الوثائق والمعاملات وتتبع أوجه صرف الميزانيات، مع حماية حق كل شخص في الدفاع عن نفسه، وعدم تحويل الشبهات إلى أحكام مسبقة قبل التحقق من الوقائع.

وفي المقابل، تتحمل وسائل الإعلام مسؤولية مهمة في كشف الاختلالات المحتملة وإثارة الأسئلة التي تهم الرأي العام، لكن هذه المسؤولية تقتضي التمييز بين الوقائع المثبتة والادعاءات التي تحتاج إلى أدلة. فمحاربة الفساد لا تتحقق بالتشهير، وإنما بالبحث المهني، وتدقيق المعلومات، ونشر ما تدعمه الوثائق والمعطيات الموثوقة.

إن المسؤولية العمومية ليست امتيازًا شخصيًا، بل تكليف يفرض على صاحبه الابتعاد عن كل ما قد يضع نزاهته موضع شك. وكلما ارتفع موقع المسؤول داخل مؤسسات الدولة، ازدادت الحاجة إلى وضوح قراراته وخضوعها للمراقبة، لأن الثقة لا تُبنى بالوعود وحدها، بل بالممارسة اليومية واحترام القانون.

ويبقى السؤال المطروح: من يحمي أموال المواطنين عندما تتداخل المصالح الخاصة مع مواقع القرار؟ وكيف يمكن ضمان ألا تتحول العلاقات الشخصية إلى طريق للاستفادة من موارد الدولة؟

الإجابة تبدأ بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، وتقوية استقلالية أجهزة الرقابة، وتكريس الحق في الوصول إلى المعلومات، وإرساء قواعد واضحة لتدبير تضارب المصالح، وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالمواطن من حقه أن يعرف كيف تُصرف أمواله، وعلى أي أساس تُمنح الصفقات والامتيازات، ومن يتحمل المسؤولية عندما تثبت المخالفات.

وفي النهاية، قد يكون الغرام شأنًا خاصًا لا يحق لأحد التدخل فيه، لكن المال العام شأن يهم الجميع. وحين تصبح العلاقة بين السلطة والمصلحة الشخصية موضوع تساؤل، فإن المطلوب ليس إصدار أحكام مسبقة أو التشكيك في الأشخاص دون دليل، وإنما الوصول إلى الحقيقة وضمان عدم استغلال النفوذ لتحقيق منافع غير مشروعة.

فأموال الشعب وُجدت لخدمة الشعب، وأي إخلال بهذه القاعدة لا يهدد الميزانية وحدها، بل يمس الثقة في المؤسسات ومبدأ المساواة أمام القانون. ولا يمكن استعادة هذه الثقة إلا بالشفافية، والمراقبة الجادة، والمحاسبة العادلة التي لا تحميها القرابة ولا يعفي منها النفوذ.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد