نزيف صامت في الثروة البحرية بجهة الداخلة وادي الذهب… أرقام تكشف اتساع الفجوة بين الصيد التقليدي وأعالي البحار

صوت الصحراء
في قلب واحدة من أغنى المصايد البحرية بالمملكة، وبالضبط على مستوى جهة الداخلة وادي الذهب، تتشكل ملامح واقع مقلق يعيد طرح أسئلة العدالة في توزيع الثروة البحرية. فالمعطيات الرقمية المسجلة خلال الفترة الممتدة من 2023 إلى 2025 لا تعكس مجرد تفاوت عادي بين أنماط الصيد، بل تكشف مساراً تصاعدياً لاختلال عميق بات يهدد توازن القطاع برمته.
في البداية، بدت الصورة أقل حدة. سنة 2023 أعطت انطباعاً بوجود نوع من التوازن في صيد السيبيا، حيث تقاسمت القوارب التقليدية وأساطيل أعالي البحار الكميات بشكل شبه متقارب. غير أن هذا التوازن كان سطحياً، إذ كانت مؤشرات الخلل تظهر بوضوح في صيد الكلمار، الذي استحوذ عليه الصيد الصناعي منذ ذلك الحين بنسبة فاقت 92 في المائة، تاركاً هامشاً ضيقاً جداً للصيد التقليدي.

في سنة 2023، أظهرت معطيات صيد “السيبيا” نوعاً من التوازن النسبي، إذ استحوذ الصيد التقليدي على 53.9% من الكميات المصطادة مقابل 46.1% للصيد في أعالي البحار. غير أن هذا التوازن لم يدم طويلاً، خاصة في صنف “الكلمار” الذي شهد منذ البداية هيمنة واضحة للصيد الصناعي بنسبة 92.2% مقابل 7.8% فقط للتقليدي.
ومع حلول سنة 2024، تفاقم الوضع بشكل لافت، حيث تراجعت حصة الصيد التقليدي من السيبيا إلى 13.3% فقط، مقابل 86.7% لأعالي البحار، فيما بلغت هيمنة هذا الأخير على الكلمار 95.9%، ما يعكس انتقالاً واضحاً للثروة نحو الفاعلين الصناعيين.
خلال سنة 2025، ورغم تسجيل تحسن طفيف في حصة الصيد التقليدي من السيبيا (14.9%)، إلا أن الفجوة ظلت واسعة، إذ استحوذ الصيد في أعالي البحار على 85.1%. أما الكلمار، فقد بلغ فيه الإقصاء مستوى غير مسبوق، حيث تجاوزت حصة الصيد الصناعي 96.5%، مقابل 3.5% فقط للتقليدي.
لكن هذا الوضع لم يتوقف عند حدود الأرقام، بل تسارع بشكل لافت في تفاصيله الميدانية. ففي 2024، تراجعت حصة الصيد التقليدي بشكل حاد، خاصة في السيبيا، حيث لم يعد يتجاوز نصيبه سوى نسبة محدودة، وهو ما يُعزى بالأساس إلى منع صيد السيبيا خلال فترة الراحة البيولوجية للأخطبوط، مقابل سيطرة شبه كاملة لأساطيل أعالي البحار. أما الكلمار، فقد تحول عملياً إلى مورد محتكر، مع اقتراب هيمنة الصيد الصناعي من سقف 96 في المائة.
ومع حلول 2025، لم يعد الحديث عن اختلال أو تفاوت، بل عن واقع شبه محسوم. الأرقام تؤكد أن الصيد في أعالي البحار بات الفاعل المهيمن بلا منازع، خصوصاً في الكلمار الذي خرج تقريباً من دائرة الصيد التقليدي، بينما بقي هذا الأخير يحاول الحفاظ على موطئ قدم محدود في بعض الأنواع مثل السيبيا، دون أن ينجح في تقليص الفجوة.
هذا التحول يطرح أكثر من علامة استفهام، خاصة وأن الصيد التقليدي بجهة الداخلة وادي الذهب لا يمثل فقط نشاطاً اقتصادياً، بل يشكل عماداً اجتماعياً حقيقياً. فهو يوفر آلاف مناصب الشغل بشكل مباشر لفائدة البحارة، وبشكل غير مباشر لفئات واسعة تشتغل في سلاسل مرتبطة به، من نقل وتسويق وتثمين وخدمات مرافقة داخل القرى وموانئ الصيد. ومع تقلص حصته من الموارد، تتزايد المخاوف من انعكاسات اجتماعية واقتصادية قد تمتد إلى النسيج المحلي برمته.
وفي هذا السياق، تعبر ساكنة جهة الداخلة وادي الذهب والمهنيون عن مطالب متزايدة بضرورة مراجعة مخطط تهيئة مصائد الأخطبوط، الذي يعود إلى سنة 2004 ولم يخضع لأي تحيين جوهري إلى حدود اليوم، رغم التحولات الكبيرة التي عرفها القطاع، وهو ملف سنخصص له معالجة خاصة ومفصلة في مادة لاحقة.
كما يطالب مهنيّو قطاع الصيد التقليدي باعتماد مقاربة زمنية أكثر توازناً في استغلال بعض الأنواع، من خلال تحديد أشهر أبريل وماي ويونيو من كل سنة لصيد الحبار (السيبيا)، مع توجيه باقي أشهر السنة لأنشطة صيد أخرى، وذلك بهدف تخفيف الضغط على المخزون السمكي، خاصة في ظل الاستغلال المكثف الذي يتعرض له من طرف الصيد في أعالي البحار، ولاسيما على مستوى مخزون جهة الداخلة وادي الذهب.
في المقابل، يواصل الصيد في أعالي البحار تعزيز حضوره بفضل إمكانياته التقنية وقدرته على الوصول إلى المصايد البعيدة، ما يمنحه أفضلية تنافسية واضحة. غير أن هذا التفوق، في ظل غياب توازن تنظيمي دقيق، يتحول تدريجياً إلى هيمنة تطرح إشكال العدالة في الاستفادة من الثروات الطبيعية.
ولا يقف الأمر عند حدود الأرقام فقط، بل يمتد إلى البعد البيئي، حيث يتميز الصيد التقليدي بكونه صيداً انتقائياً يحترم التوازن الطبيعي للمخزون السمكي، ويحد من صيد الأصناف غير المستهدفة، ما يجعله نشاطاً صديقاً للبيئة. في المقابل، يثير الصيد بالجر، المعتمد بشكل واسع في أعالي البحار، مخاوف متزايدة بسبب تأثيره السلبي على النظم البيئية البحرية، حيث يؤدي إلى استنزاف شامل للموارد، ويهدد الكائنات غير المستهدفة، فضلاً عن تدميره للموائل الحساسة مثل الشعاب والغطاء البحري.
وفي هذا السياق، سبق للمنظمات الدولية، وعلى رأسها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، أن حذرت من تداعيات بعض أساليب الصيد المكثف وغير الانتقائي، لما لها من آثار مباشرة على استدامة الثروة السمكية والتوازن البيئي البحري.
كما يطرح هذا الواقع تحديات إضافية مرتبطة بالحكامة القطاعية، من قبيل توزيع الحصص، واحترام فترات الراحة البيولوجية، وضرورة تعزيز المراقبة للحد من الضغط المفرط على بعض الأصناف، خاصة الكلمار الذي أصبح نموذجاً صارخاً لاختلال الاستغلال.
أمام هذا الوضع، تتعالى الأصوات المهنية بجهة الداخلة وادي الذهب مطالبة بإعادة النظر في طرق تدبير المصايد، عبر سياسات أكثر إنصافاً وتوازناً، تضمن توزيعاً عادلاً للثروة، وتدعم في الآن ذاته استدامة الموارد البحرية. كما يبرز مطلب تمكين الصيد التقليدي من ولوج منصف إلى المصايد، وتقوية قدراته، باعتباره قطاعاً حيوياً يجمع بين البعد الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
في النهاية، ما تكشفه هذه الأرقام ليس مجرد تحول في المعطيات، بل تغير عميق في موازين القطاع. وبين من يملك الوسائل ومن يوفر فرص الشغل ويحافظ على البيئة، يبقى التحدي الأكبر هو إيجاد معادلة عادلة تعيد التوازن إلى جهة الداخلة وادي الذهب، وتضمن استمرارية هذا المورد الحيوي دون إقصاء أو استنزاف.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد