جوليا كريستيفا واستعادة نداء الإنسانية

سعيد بوخليط

احتفالا بتخليد الذكرى الخامسة والعشرين لملتقى الأديان، الذي دعا إليه البابا يوحنا بولس الثاني سنة 1986، فالتأمت آنذاك حلقة موسَّعة ضمت ممثلين عن أديان مختلفة سماوية ووضعية، انعقد مؤتمر كبير يومي 26 و28 من شهر أكتوبر 2011، في مدينة أسيزي الايطالية، تحديدا داخل كنيسة القديس فرانسيس الأسيزي؛ الذي عاش خلال القرن الثالث عشر، ويعتبر أبا روحيا للرهبان الفرنسيسكان. قديس ”توخى دائما أن يَفْهَم أكثر من أن يُفْهَم”، ولا ”أن يحظى بالحب سوى من خلال حبه”؛ وأوقظ الجانب الروحي عند النساء مع عمل القديسة كلير الأسيزية.

 

لقاء روحي مهيب، برعاية البابا بندكت السادس عشر، تبنى شعارا لمضمون اشتغالاته: ”التفكير والحوار والصلاة من أجل السلام والعدالة في العالم”، حضرته خمسون شخصية تقريبا، حملت معها وجهات نظر ديانات مختلفة: الإسلام، المسيحية، الأرثوذوكس، الكاثوليك، اليهودية، البوذية، الطاوية، الكونفوشية، السيخ، الزرادشتية.

 

غير أن الميزة اللافتة، خلال هذا اللقاء الثالث بعد اجتماع سنتي 1986 و2002، تمثلت في حضور متحدث بلسان اللا-متدينين المؤمنين أساسا بمركزية الإنسان والتسامي بالنزعة الإنسانية، أصالة رهان وأوليته بغض النظر عن كل عقائد العناية الإلهية أو استدلال فكري آخر. لقاء اتسع لمرجعيات عدة، قصد التأكيد عمليا بأنَّ فرضية التدمير ليست الإمكانية الوحيدة المطروحة.

 

لم يكن الناطق باسم الأنسة اسما عاديا، بل يتعلق الأمر بالمثقفة اللامعة جوليا كريستفا، التي يصعب اختزال تصنيفها ضمن مجال دون غيره؛ قياسا إلى اللسانيات، النقد الأدبي، التحليل النفسي، الفلسفة، الرواية، السيميائيات، النسوية، تاريخ الفكر.

 

تبنَّت مداخلة كريستيفا، من قلب كنيسة القديس فرانسيس الأسيزي، عشرة مبادئ للإنسانية كي تبقي الأخيرة ماسكة بجذور كينونتها المبدعة، بترسيخها لجسور بين الإنسانية المسيحية ثم المسيحية المنحدرة من عصر النهضة والأنوار، وترمِّم باستمرار معنى سؤالها الكبير المتبلور نتاجه واقعيا ضمن سياق التقليد الأوروبي، الإغريقي- اليهودي المسيحي، بحيث لم يتوقف عن إضماره وعودا، قد تخذلنا بطبيعة الحال لكنها تعيد البناء بنفس درجة السقوط.

 

عندما استعمل المسيح صيغة: “أنا”، متحدثا عن ذاته، فقد رسخ سلفا تعريفا للإنسان، وتكهّن بالإنسانية، باعتبارها “فَرَادة راسخة” حسب وصف بندكت السادس عشر. جاء عصر النهضة مع إيرازموس، والأنوار صحبة ديدرو، فولتير، روسو لكن أيضا لاماركيز دو ساد، غاية سيغموند فرويد الذي أشهر دون تردد حرية الأفراد؛ ضد المنظومات العقائدية والمضطهِدَة، وبالتالي انعتاق العقول والأجساد، مسائلا ثانية كل اعتقاد، سلطة أو قيمة. هزّاَت ربما وضعت لبنات سبيل عدمية رؤيوية، تستفسر كريستيفا.

 

تكمن دائما لدى الفرد حاجة ملحة إلى الاعتقاد، حلقة مفصلية تغافل عنها تاريخ اقتحام العلمانية للظلامية، أفق غير مكتمل التأويل رسخته أساسا الخلاصات المذهبية، وذات النزوع التقني ثم منكري العلمانية، يتواصل راهنا جراء سريان فعل أتمتة الفضاء الإنساني.

 

هل لا يزال بوسعنا التحدث عن الإنسانية، وبشكل أفضل: هل يمكننا التكلم إنسانية؟

 

استعادت كريستيفا نداء دانتي أليغيري، لحظة تخليده ذكرى فرانسيس الأسيزي في فردوس الكوميديا الإلهية. لقد وضع دانتي أسس ثيولوجية كاثوليكية عن الإنسانية بتوضيحه أن تجلي الأخيرة يرتبط فقط بتسامينا اللغوي عبر إبداع لغات جديدة، مثلما فعل بنفسه، فأبدع وفق أسلوب جديد اللغة الإيطالية الجارية، كما خلق ألفاظا جديدة “تتجاوز الإنسان داخل الإنسان”. هكذا، يتبلور طريق الحقيقة. يجسِّد المسيح الإلهي والإنساني، الفيزيائي والنفسي داخل الإنسان. تُستوعب هذه الإنسانية المسيحية، كـ”تجاوز” للإنسان ضمن اقتران الرغبات والمعنى بواسطة اللغة، إن كانت لغة حبٍّ، سترثها الإنسانية اللائكية غالبا بكيفية لاواعية.

 

إذن ما هي أبرز ملامح المبادئ العشرة، قصد التفكير جدِّيا في جسور تصل بين أفراد الإنسانية؟

 

1- ينعدم وجود الإنسان وفق معناه الكبير حسب إنسانية القرن الواحد والعشرين، فلا ”قيمة”، أو ”غاية” عليا، أو النزول الإلهي حسب الأفعال الأكثر سموا لبعض الأفراد الذين وصفوا بـ”العباقرة” منذ عصر النهضة. اليوم، بعيدا عن التخلص من واقع العولمة، تبدو مع ذلك، حتمية وضع أسس تنظيم عالم جديد قصد ضبط السيطرة على المال والاقتصاد المُعَولم، وفي غضون ذلك خلق حكومة عالمية إيتيقية كونية ومتضامنة.

 

2- سيرورة إعادة بناء دائمة. سبر أغوار الإرث الإغريقي اليهودي-المسيحي، بوضعه ضمن اختبار عميق، إعادة تقييم مختلف القيم الموروثة (نيتشه): لا توجد وسيلة أخرى قصد محاربة الجهل والرقابة، بالتالي تيسير تعايش الذاكرات الثقافية التي شيِّدت على امتداد التاريخ.

 

3- تمثِّل الإنسانية، لقاء بين مختلف الثقافات تدعمها عولمة ومنظومة رقمية. تحترم الإنسانية، تترجم وتعيد إعادة تقييم تحولات هذه الحاجات نحو الاعتقاد.

 

4- إنسانيون ”لسنا ملائكة، لدينا جسد”. هكذا، تحدثت القديسة تيريزا الأفيلاوية خلال القرن السابع عشر، فدشنت العصر الباروكي الذي رسم منعطفا وجهة عصر الأنوار. لكن مقاربة الرغبة الحرة بمثابة رغبة غاية الموت، اقتضت انتظار التحليل النفسي، قصد تركيزه ضمن تنظيم اللغة الوحيد والأخير، على حرية رغبات لا تراقبها الإنسانية أو تمدحها لكنها تقترح نفسها بهدف توضيحها، ومصاحبتها والتسامي بها.

 

5- الإنسانية تحرير لرغبات النساء. بعد فلاسفة الأنوار الذين دشنوا هذا السبيل، جاء دور نساء الثورة الفرنسية مع آن جوزاف ترواين دو ميريكور، أوليمب دو غوج، غاية فلورا تريستان، لويز ميشيل وسيمون دو بوفوار، رافقتها نضالات قصد منح المرأة حق الاقتراع، وكذا الثورة البورجوازية الصينية لـ 4 ماي 1919. اقتضت الصراعات بغية تحقيق مساواة اقتصادية، قانونية وكذا سياسية، تأملا جديدا حول الاختيار وكذا مسؤولية الأمومة. مازالت العلمانية الحضارة الوحيدة التي تفتقد خطابا حول الأمومة. ينبغي أن يقودنا تحرير الرغبات نحو وجهة تحرير النساء، كما تحتم النضالات من أجل تحقيق التكافؤ الاقتصادي، القانوني والسياسي، تأملا حول اختيار مسؤولية الأمومة.

 

6- إنسانيون، يمكننا بفضل فَرَادة قابلة لتقاسم التجربة الداخلية الصراع ضد هذا الابتذال الجديد للشر مثلما تجسِّده راهنا الأتمتة الجارية على مستوى الفضاء الإنساني. نحن كائنات تتكلم، تكتب، ترسم، تلوِّن، تصغي للموسيقى، تراهن، تتخيَّل، تفكِّر، نتيجة كل ذلك لسنا مجبرين كي نغدو مجرد “عناصر للغة”.

 

7- حانت لحظة استعادة التشريعات الأخلاقية القديمة، مرة أخرى: دون إضعافها، لكن بإضفاء إشكاليات عليها، من خلال تحديثها تبعا لخصوصيات جديدة. يسكننا غاية الحاضر الإنجيل، الأناجيل، القرآن، الريجفادا، الطاوية. لا يكفي فقط تأويل القديمة. يحتم علينا السياق إعادة كتابتها، التفكير فيها ثانية، ثم نحياها مرة أخرى: ضمن لغات الحداثة.

 

8- لم يعد هناك فقط كون واحد، فقد اكتشف البحث العلمي أكوانا متعددة ومازال مستمرا في فهمها. تعدد أديان، أذواق، إبداعات. فلا داعي كي تخشى الإنسانية الموت، نظرا لامتلاكها هذه القدرة على التفكير في تعدد الأكوان: إدراج الوفاة ضمن تعدد الكون والفضاء لدى الحي.

 

9- من بوسعه، هاجس عشق الآخر؟ هي الإنسانية، لأنها تعالج. لن تقف انشغالات الاهتمام البيئي بالأرض، تربية الشباب، مصاحبة المرضى، ذوي الاحتياجات الخاصة، الكهول، المدمنين، حائلا سواء أمام ركض العلوم نحو مزيد من التطور أو طفرة المال الافتراضي. ستصاحب الإنسانية بعد حين الثورة الأنثربولوجية، كما عكستها سلفا البيولوجيا المُحَرِّرَة للنساء، بدل التخلي عنها إلى التقنية ثم المال، وكذا توجيه الإبداعات من لدن نموذج ديمقراطي ضعيف وهرمي الشكل.

 

10- لا يصنع الإنسان التاريخ، بل هو التاريخ. للمرة الأولى، يبدو الإنسان العاقل قادرا على تدمير الأرض وذاته باسم دياناته، ثم اعتقادات أو إيديولوجيات. أيضا، للمرة الأولى، يظهر الرجال والنساء قدرة بخصوص إعادة تقييم الدين الذي يشكِّل الكائن الإنساني، بكل شفافية.

 

أمام الأزمات وكذا التهديدات المتفاقمة، تختتم كريستيفا إشاراتها الكبرى، ليكفي وجود كائن يتسم بحس الارتياب، لكن تطلعه صوب الرهان بخصوص التجديد الدائم على مستوى الاعتقاد والمعرفة معا، حتى تتمكن الإنسانية ضمن تعدد كوني، أن تواصل طويلا تحمل أعباء مصيرها المبدع.

 

عن هسبريس

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد