التجمع الوطني للأحرار.. حين تنقلب السلطة إلى عبء سياسي

صوت الصحراء :القسم السياسي

لم يكن إبعاد التجمع الوطني للأحرار عن الحكومة الجديدة مجرد تفصيل في حسابات التحالفات الحزبية، بل قد يكون مؤشراً على نهاية مرحلة سياسية دفع فيها الحزب ثمن اختياراته وطريقة تدبيره للسلطة. فالحزب الذي تصدر انتخابات 2021، وتولى رئاسة الحكومة بوعود كبيرة، يجد نفسه اليوم أمام تراجع انتخابي وخروج من دائرة المشاركة الحكومية، في تحول يطرح أسئلة جوهرية حول أسباب فقدانه موقعه السابق.

لقد حظيت حكومة عزيز أخنوش بإمكانات سياسية ومؤسساتية مهمة، وتوفرت لها شروط كان من الممكن استثمارها لتعزيز الثقة الشعبية وتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية. غير أن اتساع الوعود رفع سقف الانتظارات، وجعل الحصيلة تحت مجهر المواطنين، الذين لم تعد تقنعهم التصريحات المتفائلة بقدر ما تعنيهم انعكاساتها على القدرة الشرائية وتكاليف المعيشة وجودة الخدمات العمومية.

وهنا تكمن المفارقة: فالحزب الذي امتلك فرصاً واسعة للتأثير في القرار العمومي لم ينجح في تحويل قوته المؤسساتية إلى رصيد شعبي يحميه من المحاسبة الانتخابية والسياسية. ومع تراجع تمثيليته، جاء استبعاده من الحكومة الجديدة ليعمّق خسارته، ويفتح الباب أمام تأويلات تتجاوز مجرد الخلاف حول تشكيل الأغلبية.

ولا يمكن فصل هذا التحول عن حسابات حزب الأصالة والمعاصرة ورغبته في تقديم مرحلة جديدة بصورة مختلفة عن سابقتها. لكن اختزال القرار في تصفية الحسابات بين الحلفاء السابقين يظل قراءة غير كافية؛ فالحصيلة الحكومية، وتوازنات السلطة، والحاجة إلى تجديد الصورة السياسية، كلها عوامل محتملة في تفسير ما حدث.

قبل سنوات، حذّر مؤسس التجمع الوطني للأحرار، أحمد عصمان، من أن الحزب قد يجد نفسه في “ميدان الرماية” إذا تولى قيادته أشخاص يفتقرون إلى الحس السياسي. واليوم، يبدو هذا التحذير جديراً بالاستحضار، لا باعتباره حكماً نهائياً على تجربة الحزب، بل بوصفه تذكيراً بأن السلطة لا تحمي الأحزاب من أخطائها، وأن الثقة الشعبية لا تُكتسب بالوعود ولا تُصان بالنفوذ.

لقد خرج التجمع الوطني للأحرار من الحكومة، لكن التحدي الحقيقي يتجاوز موقعه في الأغلبية إلى قدرته على مراجعة تجربته واستعادة ثقة المواطنين. أما الأصالة والمعاصرة، الذي يتولى قيادة المرحلة الجديدة، فهو بدوره أمام امتحان لا يقل صعوبة: هل يستطيع تفادي أخطاء سلفه، أم أن السلطة ستعيد إنتاج الأسباب نفسها التي أضعفت الحزب السابق؟

في السياسة، قد يكون الوصول إلى الحكم ثمرة لحظة انتخابية، لكن البقاء في موقع الثقة يحتاج إلى حصيلة. وحين تتسع المسافة بين الوعود والواقع، تتحول السلطة من مصدر للقوة إلى عبء يصعب التخلص من تبعاته.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد