صوت الصحراء
يشكّل الصيد التقليدي في موريتانيا ركناً أساسياً للاقتصاد الوطني، ويُعيل آلاف الأسر في المدن الساحلية مثل نواذيبو، تيشيت، وانوامغار. ورغم هذه الأهمية، يواجه الصيادون التقليديون اليوم تحديات متزايدة تهدد استدامة مهنتهم وحياة أسرهم. تشير الإحصاءات الحديثة إلى أن قطاع الصيد يوفر حوالي 66,000 وظيفة مباشرة ويمتد ليشمل نحو 300,000 وظيفة غير مباشرة، ويشكل الصيد التقليدي حوالي 80% من القيمة الإنتاجية للقطاع السمكي. وفي عام 2023، بلغ إنتاج المصايد البحرية نحو 1.53 مليون طن من الأسماك والمأكولات البحرية، إلا أن أكثر من 40% من المخزونات السمكية لبعض الأنواع مهددة بالإفراط في الصيد.
تعكس هذه الأرقام حجم القطاع وأهميته، لكنها تكشف أيضاً هشاشة الصياد التقليدي أمام منافسة السفن الصناعية الكبيرة، التي تمتص معظم الحصص السمكية بالقرب من الساحل، بينما يضطر الصياد التقليدي للإبحار لمسافات أطول، مع ارتفاع تكاليف الوقود التي تمثل نحو 40% من مصاريف الرحلة، وغالباً ما يعود الصياد بمردود أقل من تكلفة التشغيل. ضعف المرافئ وبنية التحتية على الشواطئ، وغياب وحدات تبريد مناسبة، يزيد من الخسائر بعد الصيد ويجعل المصيد أقل تنافسية مقارنة بالصيد الصناعي.
أصوات الصيادين تعكس حجم المعاناة: «نخرج بالقارب عند فجر كل يوم… لكن البحر اليوم يشبه مرآة خاوية. تستهلك الشركات الكبيرة الأسماك في ساعات قليلة، ونعود نحن بيد فارغة أو بصيد يقل عن تكلفة الرحلة»، يقول أحد الصيادين في نواذيبو. ويحذر مسؤول في اتحاد الصيد التقليدي قائلاً: «إذا استمر الحال هكذا، سيصبح الصيد التقليدي ذكرى… الشباب لن يجد رزقاً، والمجتمعات الساحلية ستنهار».
يرى خبراء معهد الأبحاث البحرية الموريتاني أن أكثر من 70% من الحصص المرخّصة للصيد تُستغل من قبل السفن الصناعية الأجنبية، فيما لا تتجاوز حصة الصيادين المحليين 30%، مما يضعف قدرتهم على المنافسة ويهدد الأمن الغذائي المحلي. كما أن التحوّل الكبير نحو صناعة مسحوق السمك وزيت السمك يقلص المخزون المتاح للاستهلاك المحلي وللصيد التقليدي، بينما لا يتمتع الصيادون بأي حماية اجتماعية أو تأمين صحي في مواجهة المخاطر اليومية لمهنتهم.
الصيادون التقليديون يطالبون بإصلاحات عاجلة تشمل تخصيص حصص عادلة لهم ضمن تراخيص الصيد، ودعم القوارب والمعدات والوقود، وتطوير المرافئ ووحدات التخزين والتبريد، وحماية المخزونات السمكية من الإفراط في الصيد الصناعي، بالإضافة إلى توفير التأمين الاجتماعي والصحي وتسهيل التدريب والتأهيل المهني.
يبقى الصيد التقليدي في موريتانيا أكثر من مجرد نشاط اقتصادي؛ فهو جزء من هوية المجتمعات الساحلية وتراث الأجيال. ومع استمرار تراجع الموارد البحرية وضغوط الصناعات الكبرى وتهميش الصيادين، يظل مستقبل هذه المهنة مهدداً، ما لم تُنفذ السياسات الإصلاحية الضرورية بسرعة. يبقى الأمل أن يرى الصيادون ضوءاً في نهاية النفق من خلال إنصاف حقوقهم، ودعم مهنتهم، وحماية البحر الذي شكل دائماً مصدر رزقهم ووجودهم.