صوت الصحراء
في قراءة جديدة لمسار الجهوية بالمغرب، أبرز عبد الوافي لفتيت أن مراجعة الإطار القانوني المنظم للجهات تأتي كخطوة تصحيحية بعد سنوات من الممارسة التي كشفت عن اختلالات بنيوية، مؤكداً أن الهدف ليس الحد من صلاحيات المنتخبين، بل عقلنة تدبيرها وضمان فعاليتها على أرض الواقع.
الوزير أشار إلى أن التجربة أظهرت أن توسيع الاختصاصات دون ضبطها أو تقييم مردوديتها قد يؤدي إلى نوع من الارتباك في الأداء، وهو ما يفرض اليوم إعادة ترتيب الأوراق، عبر توضيح الحدود الفاصلة بين ما هو من اختصاص الدولة وما يدخل ضمن صلاحيات الجهة، تفادياً لأي تداخل قد ينعكس سلباً على تنفيذ المشاريع.
وفي معرض حديثه، شدد على أن مفهوم “التدبير الحر” لا يعني الانفلات من الضوابط القانونية، بل يستوجب ممارسة مسؤولة مبنية على الانسجام مع السياسات العمومية الوطنية. واستدل في ذلك ببعض المبادرات التي تجاوزت الإطار القانوني، ما استدعى تدخلاً حازماً من وزارة الداخلية لضبطها، خصوصاً في ما يتعلق باستعمال مقتضيات المادة 93، التي تتيح للجهات المساهمة في تمويل مشاريع خارج اختصاصاتها بشروط دقيقة.
ومن زاوية أخرى، حاول لفتيت تبديد مخاوف رؤساء الجهات، مبرزاً أن مشروع التعديل تم إعداده في إطار تشاركي، وأنه لا يحمل أي نية للمساس بمبدأ الجهوية المتقدمة، بل يسعى إلى تقويتها من خلال تحسين الحكامة وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين. وأكد أن العلاقة بين رئيس الجهة والوالي يجب أن تقوم على التكامل لا التنازع، باعتبار أن نجاح البرامج التنموية رهين بهذا التناغم.
كما تطرق إلى إشكالية تنفيذ المشاريع، موضحاً أن اختيار مسؤولي الشركات الجهوية لتنفيذ المشاريع من طرف الولاة يهدف إلى ضمان مستوى عالٍ من الكفاءة والخبرة، خاصة وأن هذه الهياكل ستشرف على برامج استراتيجية تتطلب تدبيراً احترافياً بعيداً عن أي اعتبارات ضيقة.
وفي سياق متصل، طرح الوزير تساؤلات حول أسباب تعثر بعض الجهات في مواكبة وتيرة التنمية رغم الإمكانيات المتاحة، داعياً إلى تقييم جدي للأداء وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع العمل على تطوير آليات التخطيط الترابي واعتماد مؤشرات دقيقة لقياس الأثر التنموي للمشاريع.
كما شدد على أهمية تبني مقاربة مندمجة في إعداد وتنفيذ السياسات الترابية، تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الجهوية وتستحضر البعد الاجتماعي والاقتصادي والبيئي، بما يضمن تنمية متوازنة ومستدامة. واعتبر أن تحسين التنسيق بين الجهات وباقي الفاعلين، بما في ذلك القطاع الخاص والمجتمع المدني، يشكل رافعة أساسية لإنجاح هذا الورش.
وختم بالتأكيد على أن برنامج التنمية الترابية المندمجة يمثل الأداة العملية لتفعيل التوجيهات الملكية، وجعل الجهات فاعلاً مركزياً في تحقيق التنمية، ليس فقط عبر إعداد البرامج، بل من خلال قدرتها على تحويلها إلى نتائج ملموسة تلامس الحياة اليومية للمواطنين.