مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية في الأقاليم الصحراوية، ترتفع حرارة المشهد السياسي، لكن ليس بروح التنافس على البرامج أو تقديم الحلول لقضايا المواطنين، بل من خلال صراع محتدم بين أبناء العمومة، والأصهار، وحتى الإخوة من نفس الدم. مشهد تُستحضر فيه الولاءات العائلية أكثر من الكفاءات، وتُقدَّم فيه التحالفات الشخصية على حساب المبادئ.
أين هم المناضلون الذين تكسرت أصواتهم خلف جدران السجون، وصدحت بياناتهم في زمن كان للكلمة وزنها؟ اليوم، لا نسمع إلا ولاءً مصطنعًا، وتحركات سياسية تُدار بمنطق “المصلحة أولاً”، بينما تُقصى القيم السياسية الحقيقية.
ومع دنو يوم الاقتراع، تشتعل حملات التحريض وتشويه السمعة، حيث تتحول بعض الصفحات الإعلامية والمنصات الاجتماعية إلى خناجر مسلطة على رقاب المنافسين. تُفبرك التهم وتُقتطع الصور من سياقها، لإقصاء كل من يجرؤ على الخروج عن الصف العائلي أو الحزبي المرسوم مسبقًا.
وفي خضم هذا الواقع، برز تصريح لافت للسياسي والاقتصادي المحنك حمودي حميد، خلال مداخلته في ندوة نظمها حزب العدالة والتنمية بالداخلة، حين قال: “المنصب الانتخابي صار اليوم استثمارًا بدل من التجارة، فهناك من يبيع الإبل والعقار ليخوض غمار الانتخابات، وكأنها مشروع ربحي طويل الأمد”. عبارة تكشف بوضوح أن المقعد لم يعد تكليفًا لخدمة المواطنين، بل استثمارًا خاصًا يدر أرباحًا على صاحبه.
أما المعارضة في المجالس المنتخبة، فقد انزلقت إلى هامشية مقلقة؛ حضورها لا يتعدى توقيع سجل الاجتماعات، ثم صمت مطبق، فلا مساءلة ولا مواقف، وكأنها جزء من ديكور سياسي فاقد للحياة. وهكذا، تتحول الزعامة إلى إرث شخصي، تُتداول بين أفراد العائلة الواحدة، لا تُبنى على إيمان بالمبادئ ولا على الدفاع عن مصالح الناس.
وبين تهميش الأصوات المستقلة، وشراء الولاءات، واستغلال النسب والقرابة كجسر للسلطة، يتآكل ما تبقى من ثقة المواطن في السياسة. وإذا لم تُستعد قيم النضال الصادق وتُعاد الانتخابات إلى مسارها الطبيعي، فإننا ماضون نحو مشهد انتخابي لا يعدو أن يكون سوقًا مفتوحة للمناصب والنفوذ، بدل أن يكون فرصة حقيقية للتغيير والتنمية.