الإبل في مشروع قانون مالية 2027.. امتيازات ضريبية جديدة تطرح تساؤلات حول انعكاسها على أسعار اللحوم بالأقاليم الجنوبية

بقلم عزوها العراك

استغرقت المناقشة العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027 بمجلس النواب أسبوعاً كاملاً، شمل الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر المنصرم، بمشاركة مختلف الفرق والمجموعة النيابية والنواب غير المنتسبين، الذين ناقشوا أول مشروع مالي تقدمه الحكومة الجديدة. وقد تابع عدد كبير من المغاربة والمهتمين بالشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي هذه الأشغال، عبر تقنية البث المباشر، في مبادرة تستحق التنويه لمجلس حديث العهد بتشكيلته الجديدة.

وتطرق النواب، خلال هذه المناقشات، إلى مجموعة من القضايا الكبرى التي تشغل بال المواطنين الذين وضعوا ثقتهم فيهم أو في الأحزاب التي يمثلونها داخل المؤسسة التشريعية. فدافع بعضهم عن قضايا دوائرهم الانتخابية وجهاتهم، فيما انصب ترافع آخرين على أبرز الإشكالات الاجتماعية والاقتصادية التي تؤرق المواطن المغربي، وفقاً للوقت المتاح لكل متدخل، كما تحدده قواعد التمثيل النسبي المنصوص عليها في النظام الداخلي لمجلس النواب، وعلى رأسها غلاء المعيشة والارتفاع المتواصل لأسعار المواد الغذائية الأساسية.

غير أن اللافت للانتباه في هذه المناقشات هو أنه، في الوقت الذي ترافع فيه عدد من النواب بشأن ارتفاع أسعار لحوم الأبقار والأغنام والماعز، وصولاً إلى لحوم الدجاج التي عزف عنها كثير من المغاربة بفعل ما بات يُعرف بنظام “الطيبات”، غاب الترافع بشأن الارتفاع الملحوظ في أسعار الإبل الحية ولحومها وشحومها وبعض أحشائها، وكأن كل نائب معني بالدفاع عن أصناف الماشية الموجودة في مجاله الترابي والرعوي. والحال أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يتضمن مقتضيات مهمة وغير مسبوقة في هذا المجال، بعضها مستجد وبعضها الآخر امتداد لتدابير سابقة.

ومن المعلوم أن الحكومات تلجأ، في إطار دعم القدرة الشرائية للمواطنين، إلى اعتماد الاستثناءات والإعفاءات الضريبية، رغم ما يترتب عنها من تفويت موارد مالية مهمة على خزينة الدولة، باعتبارها نفقات جبائية لها أثر مماثل، من حيث انعكاسها المالي، للنفقات العمومية.

وفي هذا السياق، سبق للحكومة السابقة أن اعتمدت، ضمن مجموعة من التدابير الضريبية التفضيلية، إعفاء مستوردي الإبل الحية من رسوم الاستيراد والضريبة على القيمة المضافة عند الاستيراد. وقد دخلت هذه الإجراءات حيز التنفيذ منذ أواخر شهر يوليوز من السنة الجارية، واستمر العمل بها إلى غاية نهاية السنة، غير أن أثرها على أرض الواقع، خصوصاً بجهتي الداخلة وادي الذهب والعيون الساقية الحمراء، ظل محدوداً، وفق ما يتداوله المهنيون والمهتمون بالقطاع، إذ لم ينعكس هذا الامتياز الضريبي، على ما يبدو، على الأسعار التي يتحملها مستهلكو لحوم الإبل من السكان والزوار وغيرهم، بمن فيهم المرضى الذين يعتمدون عليها ضمن نظامهم الغذائي، وذلك على الأقل إلى حدود كتابة هذه السطور.

واليوم، يتجدد هذا الامتياز الضريبي في إطار توجهات الحكومة الجديدة، دون أن يتضح بعد مدى تحقق الأهداف التي أُحدثت من أجلها التدابير السابقة. إذ يقترح مشروع قانون المالية لسنة 2027 الإعفاء من الرسوم الجمركية وغيرها من الرسوم المطبقة على استيراد الإبل الحية، إلى جانب الإعفاء الدائم من الضريبة على القيمة المضافة عن عمليات استيرادها، وهو إجراء يُرتقب أن يدخل حيز التنفيذ ابتداءً من يناير 2027، في حال المصادقة النهائية على المقتضيات المقترحة واستكمال المسطرة التشريعية المعمول بها.

ولا تقتصر التدابير الحكومية المقترحة على الإبل وحدها، بل تمتد إلى دعم مدخلات إنتاج الأعلاف الحيوانية، حيث تقترح الحكومة، لمواجهة تداعيات احتمال توالي سنوات الجفاف وما قد يترتب عنها من تراجع في العرض الوطني للقطيع، بما فيه الإبل، تخفيض رسوم الاستيراد المطبقة على مدخلات إنتاج الأعلاف إلى النسبة الدنيا المحددة في 2.5 في المائة.

وترمي هذه الخطوة إلى تخفيف الأعباء المالية التي يتحملها مصنعو الأعلاف، والحد من انعكاس ارتفاع تكاليف الإنتاج على أسعار الأعلاف الموجهة للماشية، بما قد يساهم في دعم أنشطة تربية المواشي والحفاظ على استقرار الإنتاج الوطني من اللحوم، وتفادي الارتفاعات المحتملة في أسعارها أو حدوث اختلالات في تموين السوق.

وتكتسي هذه التدابير أهمية خاصة بالنسبة إلى الأقاليم الجنوبية، حيث تعتمد شريحة واسعة من السكان على الإبل باعتبارها مكوناً أساسياً في نظامها الغذائي، سواء من خلال استهلاك لحومها وشحومها وألبانها، أو باعتبارها مورداً غذائياً يرتبط بالعادات والتقاليد المحلية. كما أن علاقة أهل الصحراء بالإبل تتجاوز الجانب الغذائي، لتشمل أبعاداً اجتماعية وثقافية واقتصادية متجذرة في تاريخ المنطقة.

وفي المقابل، تكشف معطيات أسعار لحوم الإبل الطرية، غير المبردة وغير المجمدة، بالتقسيط في جهة الداخلة وادي الذهب، عن ارتفاع لافت خلال السنوات القليلة الماضية، حيث انتقل سعر الكيلوغرام الواحد من حوالي 70 درهماً إلى ما بين 140 درهماً كحد أدنى و170 درهماً كحد أقصى، أي ما يقارب ضعف السعر السابق.

ولم يقتصر الارتفاع على اللحوم، بل شمل أيضاً أسعار الإبل الحية، التي تعرف بدورها زيادات ظرفية ومناسباتية. وعلى سبيل المثال، بلغ سعر الجمل بمدينة الداخلة، على هامش الاحتفالات التي أعقبت الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026، حوالي 50 ألف درهم، فيما تجاوز سعر الناقة 32 ألف درهم، ووصل سعر البعير إلى نحو 15 ألف درهم.

إن الدولة تعتمد مجموعة من التدابير ذات الطابع التفضيلي ضمن سياستها الجبائية، بهدف تحقيق غايات استراتيجية ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية، أو تجمع بين البعدين معاً. غير أن فعالية هذه التدابير تظل مرتبطة بمدى انعكاسها الفعلي على السوق وعلى القدرة الشرائية للمواطنين، وليس فقط بإقرار الإعفاءات والتخفيضات الضريبية على مستوى النصوص القانونية.

ومن هنا تبرز مجموعة من التساؤلات المشروعة: هل ستساهم حزمة الامتيازات الضريبية المهمة وغير المسبوقة التي تقترحها الحكومة الحالية، ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027، في دعم القدرة الشرائية للمواطن المغربي، كما هو معلن ضمن أهدافها؟ وهل ستنعكس هذه المقتضيات الجبائية على الأسعار النهائية للحوم الحمراء بمختلف أصنافها، بما فيها لحوم الإبل والأبقار والأغنام والماعز، بما يضمن استفادة المستهلك من هذه التدابير التفضيلية؟

ثم ما هي الآليات التي ستعتمدها الحكومة لضمان انتقال أثر الإعفاءات الضريبية وتخفيض تكاليف الإنتاج إلى الأسعار المعروضة في الأسواق، حتى لا تتحول هذه الامتيازات إلى مجرد تحفيزات يستفيد منها المستوردون والفاعلون الاقتصاديون، دون أن يلمس المواطن أثرها في قدرته الشرائية؟

إن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في إقرار إعفاءات ضريبية جديدة، وإنما في ضمان انعكاسها المباشر على أسعار المواد الأساسية، وفي مقدمتها اللحوم التي تشكل جزءاً أساسياً من النظام الغذائي لسكان الأقاليم الجنوبية، حيث تظل الإبل أكثر من مجرد ثروة حيوانية، بل جزءاً من الذاكرة والهوية ونمط العيش الصحراوي.

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد