صوت الصحراء
الأقاليم الجنوبية أمام سؤال المساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة
أعادت الأرقام التي كشفت عنها وزارة الداخلية، ضمن تقريرها المتعلق بمنجزات السنة المالية 2026، النقاش حول مدى حضور آليات المراقبة والمساءلة داخل مجالس الجماعات الترابية، بعدما أظهرت إحالة 252 طلباً لعزل منتخبين على المحاكم الإدارية المختصة، إلى جانب تسجيل 387 متابعة قضائية في حق منتخبين حاليين وسابقين.
وتعكس هذه المعطيات حجم الملفات القانونية والقضائية المرتبطة بتدبير الشأن المحلي، خاصة أن المتابعات شملت رؤساء مجالس جماعية ونوابهم وأعضاء منتخبين، فضلاً عن مسؤولين سابقين، في قضايا تتعلق بأفعال مخالفة للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل.
ولم تقتصر حصيلة وزارة الداخلية على طلبات العزل والمتابعات القضائية، بل امتدت إلى تسجيل 351 استقالة اختيارية لمنتخبين من مختلف مستويات الجماعات الترابية، فضلاً عن 153 حالة وفاة في صفوف الأعضاء المنتخبين، وإصدار وزير الداخلية 40 قراراً يتعلق بالإعلان عن فقدان أعضاء لعضويتهم بمجالس العمالات والأقاليم، لأسباب قانونية وتنظيمية مختلفة.
كما شهدت السنة نفسها إعادة انتخاب 252 مكتباً من مكاتب مجالس الجماعات الترابية، من بينها مجلس جهوي وثمانية مجالس للعمالات والأقاليم و243 مجلساً جماعياً، نتيجة شغور مناصب الرئاسة بسبب الاستقالة أو الوفاة أو الاعتقال أو حالات التنافي.
غير أن هذه الأرقام، على أهميتها، تفتح باباً آخر للنقاش يتعلق بالتوزيع الجغرافي لهذه الملفات، ومدى حضور الأقاليم الجنوبية، وفي مقدمتها جهة الداخلة وادي الذهب والعيون الساقية الحمراء وكلميم واد نون، ضمن الحصيلة التي قدمتها وزارة الداخلية.
فهل تشمل طلبات العزل والمتابعات القضائية والاستقالات المسجلة منتخبين ومسؤولين من الأقاليم الجنوبية؟ أم أن هذه الجهات تسجل حضوراً محدوداً في مثل هذه الملفات مقارنة بباقي جهات المملكة؟
إن طرح هذا التساؤل لا يعني بالضرورة وجود اختلالات أو تجاوزات غير معلنة، كما لا ينبغي أن يُفهم باعتباره حكماً مسبقاً على أداء المنتخبين أو المسؤولين الترابيين بالمنطقة، وإنما يندرج في إطار المطالبة بالشفافية وتكافؤ المعطيات، والوقوف على مدى تفعيل آليات الرقابة والمحاسبة في مختلف جهات المملكة دون استثناء.
فالأقاليم الجنوبية، التي تعرف تحولات تنموية ومشاريع استراتيجية كبرى، ليست بمنأى عن متطلبات الحكامة الجيدة، كما أن خصوصيتها السياسية والتنموية لا ينبغي أن تجعلها خارج دائرة التقييم المؤسساتي أو المساءلة القانونية متى توفرت أسبابها.
ومن هنا تبرز أهمية نشر معطيات أكثر تفصيلاً حول الجهات والأقاليم التي سجلت فيها طلبات العزل والمتابعات القضائية، مع توضيح طبيعة الملفات ومآلاتها القضائية، بما يسمح بتكوين صورة دقيقة عن واقع تدبير الشأن الترابي وطنياً وجهوياً.
فالرهان الحقيقي لا يكمن في ارتفاع عدد المتابعات أو انخفاضها، وإنما في ضمان تطبيق القانون على الجميع، وحماية المؤسسات المنتخبة من الاختلالات، وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتباره أساساً لتعزيز ثقة المواطنين في المجالس المنتخبة وفي المؤسسات المشرفة على تدبير الشأن العام.