صوت الصحراء
كشفت حصيلة حديثة لوزارة الداخلية عن تسجيل مجموعة من الاختلالات في تدبير عدد من الجماعات الترابية، وذلك عقب عمليات تفتيش وبحث أنجزتها المفتشية العامة للإدارة الترابية، وأسفرت عن اتخاذ 90 إجراءً، من بينها إحالة 20 ملفاً على النيابة العامة، و10 ملفات على المجالس الجهوية للحسابات، فضلاً عن اعتماد 38 إجراءً لتصحيح الاختلالات المسجلة.
وتبرز المعطيات الواردة في تقرير منجزات وزارة الداخلية برسم السنة المالية 2026، أن عمليات المراقبة لم تقتصر على الجانب الإداري، بل شملت أيضاً التدبير المالي والمحاسباتي، والتعمير، وتسيير المرافق العمومية المحلية، إلى جانب عدد من المجالات المرتبطة باختصاصات الإدارة الترابية.
وبحسب التقرير، فقد باشرت المفتشية العامة للإدارة الترابية، إلى غاية نهاية شتنبر 2026، ما مجموعه 80 مهمة للتفتيش والبحث، همّت 60 مهمة مرتبطة بتدبير شؤون الجماعات الترابية ومجالسها، مقابل 20 مهمة تناولت مجالات تدخل الإدارة الترابية. وتشمل هذه الحصيلة عمليات أُنجزت خلال السنة الجارية، وأخرى تعود إلى سنتي 2024 و2025، واستُكملت إجراءاتها خلال 2026.
وأسفرت هذه العمليات عن حزمة من التدابير، توزعت بين 38 إجراءً تقويمياً لتصحيح الاختلالات، وإحالة 20 تقريراً يتعلق بأطر وأعوان الإدارة الترابية على الجهات الإدارية المختصة، إلى جانب 20 ملفاً بشأن أفعال يُشتبه في اكتسائها طابعاً جنائياً، جرى توجيهها إلى النيابة العامة المختصة.
كما أحالت المفتشية عشرة ملفات على المجالس الجهوية للحسابات، تتعلق بوقائع قد تندرج ضمن المخالفات المرتبطة بالتأديب في مجال الميزانية والشؤون المالية، فضلاً عن إحالتين على المحاكم الإدارية، إحداهما تتعلق بمسطرة عزل رؤساء وأعضاء مجالس جماعية، والثانية بحالة انقطاع رئيس مجلس جماعي عن ممارسة مهامه.
وسجلت عمليات الافتحاص والتفتيش عدداً من الملاحظات المرتبطة بكيفية تدبير الشأن المحلي، من بينها منح تفويضات خارج الضوابط القانونية، ووجود حالات لتنازع المصالح، فضلاً عن نقائص في تدبير الموارد المالية للجماعات، خاصة ما يرتبط بغياب إحصاء دقيق لبعض المداخيل وعدم استخلاص الرسوم والواجبات المستحقة.
كما شملت الاختلالات المرصودة تدبير بعض المرافق العمومية، وطريقة تنفيذ النفقات، وممارسات من شأنها المساس بمبدأ المنافسة، الأمر الذي يثير إشكالات تتعلق بمدى التقيد بالقواعد المنظمة للصفقات والتدبير الإداري والمالي.
وفي مجال التعمير، وقفت المفتشية على حالات عدم احترام المواصفات التقنية المعتمدة في إنجاز بعض الأشغال، إلى جانب تسجيل قرارات وشواهد اعتبرها التقرير غير مطابقة للمقتضيات القانونية.
ولم تخلُ الملاحظات من حالات مرتبطة بتوقف بعض رؤساء المجالس الجماعية عن مزاولة مهامهم، وما يترتب عن ذلك من إشكالات في ضمان السير العادي للمؤسسات المنتخبة واستمرارية تدبير شؤون المواطنين.
وأوضح التقرير أن وزارة الداخلية تعتمد في التعامل مع الاختلالات المسجلة مقاربة متدرجة، تراعي طبيعة المخالفات ومدى تأثيرها على مالية الجماعات وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين. فبالنسبة إلى التجاوزات التي لا ترقى إلى مستوى المخالفات الجسيمة، يتم اللجوء إلى توجيه توصيات واعتماد تدابير تصحيحية، بهدف معالجة مكامن الخلل وتسوية الوضعيات غير السليمة، مع تفادي تكرارها مستقبلاً.
أما المخالفات المرتبطة بالميزانية والتدبير المالي، فتُحال ملفاتها على الجهات المختصة بالمحاكم المالية، في حين تتيح الحالات التي تتضمن أفعالاً خطيرة أو مخالفات للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل تفعيل المقتضيات القانونية، ولا سيما المادة 64 من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، بشأن الإجراءات المرتبطة بعزل رؤساء وأعضاء المجالس الجماعية، وفق الشروط والمساطر المحددة قانوناً.
وبالنسبة للأفعال التي يحتمل أن تكون ذات طبيعة جنائية، فإن إحالتها على النيابة العامة تفتح المجال أمام البحث القضائي وتحديد المسؤوليات، دون أن تعني الإحالة في حد ذاتها ثبوت المسؤولية أو الإدانة.
وبموازاة عمليات التفتيش والتحري، أنجزت المفتشية العامة للإدارة الترابية 53 مهمة في مجالات التدقيق والتقييم والمواكبة، وذلك إلى غاية متم شتنبر 2026. وشملت هذه العمليات ثماني مهام لتدقيق المعاملات المالية والمحاسباتية للجماعات الترابية، و19 مهمة على مستوى العمالات والأقاليم، وثماني مهام أخرى همّت الجهات، فضلاً عن خمس عمليات لافتحاص برامج ممولة من طرف البنك الدولي، و13 مهمة إضافية في مجالات متنوعة.
كما واصلت المفتشية، بتنسيق مع المفتشية العامة للمالية، مراقبة العمليات المالية والمحاسباتية للجماعات الترابية، والوقوف على مدى سلامة تدبير المشاريع والبرامج والمرافق العمومية المحلية، فضلاً عن صفقات وعقود التدبير المفوض والجبايات المحلية وأنشطة شركات التنمية المحلية.
وتندرج هذه التحركات ضمن الاختصاصات الرقابية للمفتشية العامة للإدارة الترابية، التي تشمل مراقبة الجوانب الإدارية والتقنية والمالية والمحاسباتية لمصالح وزارة الداخلية والجماعات الترابية، إلى جانب التحقيق في الشكايات والتقارير المتعلقة بمختلف أوجه الاختلال.
وتعكس هذه الحصيلة توجه وزارة الداخلية نحو تعزيز آليات مراقبة تدبير الشأن المحلي، والانتقال من مجرد رصد الاختلالات إلى معالجتها وترتيب الآثار الإدارية والمالية والقضائية المترتبة عنها، بما يعزز مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة وحماية المال العام.