في خضم التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها المغرب، يبرز العمل التعاوني كأحد أنجع الوسائل لتحقيق التنمية المستدامة، وهو ما تؤكده سنوياً مناسبة اليوم العالمي للتعاونيات، الذي يصادف السبت الأول من يوليوز. هذا الموعد الدولي يشكل فرصة سانحة لتجديد النقاش حول أهمية التعاونيات، ودورها في تمكين الأفراد، وتعزيز قدراتهم الذاتية، وتحسين ظروف عيشهم عبر أنشطة مدرة للدخل تضعهم في قلب عجلة التنمية.
وقد عملت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، منذ انطلاقتها سنة 2005، على جعل التمكين الاقتصادي أحد ركائزها الأساسية، عبر مواكبة الفئات الهشة، وخاصة النساء والشباب، وتشجيعهم على الانخراط في العمل التعاوني، لما له من أثر مباشر في خلق فرص الشغل، وإعادة توزيع الثروة على نحو عادل، خصوصاً في العالم القروي والمناطق المعزولة.
وتتجسد مقاربة المبادرة في تدخلات متعددة المستويات، تشمل التأطير والتكوين، وتقديم الدعم التقني والمالي، وتطوير المهارات الإدارية والقيادية لأعضاء التعاونيات، إلى جانب المساهمة في خلق منظومات إنتاج محلية متكاملة ترتكز على تثمين سلاسل القيمة في قطاعات كالفلاحة، والصيد البحري، والصناعة التقليدية، والسياحة القروية. كما تسهر المبادرة على تعزيز الروابط بين التعاونيات والأسواق، سواء عبر المعارض الوطنية والدولية، أو من خلال منصات التسويق الرقمي.
وتُعد الشراكات إحدى الأدوات المهمة التي تعتمدها المبادرة لإنجاح مشاريع التعاونيات، حيث تم إبرام أكثر من 170 اتفاقية شراكة لتمويل مبادرات محلية مبتكرة، بغلاف مالي يناهز 12.47 مليون درهم، في أفق سنة 2025.
ولأن التحديات الاقتصادية الراهنة، وما يرافقها من متغيرات مناخية واجتماعية، تفرض تعزيز النموذج التنموي الجديد بروح التضامن والابتكار، فإن دعم التعاونيات لم يعد خياراً، بل ضرورة استراتيجية لبناء اقتصاد محلي قوي، يراهن على الإنسان كمحور أساسي للتنمية.
إن الاحتفاء باليوم العالمي للتعاونيات لا يقتصر على التذكير بأهمية هذه البنيات الإنتاجية، بل هو أيضاً دعوة مفتوحة لتعبئة كل الفاعلين، من مؤسسات ومجتمع مدني وقطاع خاص، من أجل إرساء ثقافة تعاون حقيقي تسهم في بناء مغرب أكثر عدالة وتكافؤاً.