صوت الصحراء: القسم السياسي
في أفق الاستعداد للاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، بدأ يتبلور تدريجيًا المسار الذي ستسلكه وزارة الداخلية بخصوص مراجعة المنظومة الانتخابية، وذلك بعد اللقاء الذي جمع الوزير عبد الوافي لفتيت بقيادات الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان. اللقاء، الذي اعتُبر محطة مفصلية في مسار المشاورات، لم يسفر عن توافقات حاسمة، لكنه حمل مؤشرات واضحة على التوجه العام للدولة في التعامل مع الملف الانتخابي، خاصة في ظل تباين مواقف الفاعلين الحزبيين حول عدد من القضايا الجوهرية.
مصادر حزبية مطلعة أفادت أن اللقاء طُرحت فيه عدد من المقترحات، إلا أن الملفات الكبرى التي ظلت محل خلاف، مثل إعادة النظر في التقطيع الانتخابي أو الزيادة في عدد مقاعد مجلس النواب، لم تُحسم بعد. ويبدو أن وزارة الداخلية تتجه إلى الإبقاء على الصيغة الحالية لهذه القضايا، على الأقل في الوقت الراهن، تفاديًا لتعميق الخلافات القائمة بين الأحزاب، التي لم تستطع لحد الآن بناء توافق واضح حولها.
في المقابل، برز اهتمام واضح بمسألة إشراك مغاربة العالم في العملية الانتخابية. وقد طُرحت أفكار جديدة لتسهيل مشاركتهم، من بينها السماح بالتصويت عن طريق وكالة إلكترونية تُرسل عبر الأنترنت، دون الحاجة إلى المصادقة في القنصليات أو التنقل، وهو ما يشكل استجابة لبعض المطالب المتكررة لهذه الفئة، ومحاولة لتقليص العراقيل التقنية والإدارية التي ظلت تحول دون مشاركتهم الفعلية في الانتخابات الوطنية.
كما عرف اللقاء نقاشًا حول تعزيز حضور النساء في المؤسسة التشريعية، من خلال آليات جديدة للتمييز الإيجابي تتيح لهن الترشح والفوز بمقاعد إضافية، في ظل استمرار ضعف التمثيلية النسائية رغم المجهودات التي بُذلت في السنوات الأخيرة. بعض الأطراف الحزبية طالبت بالانتقال من “الكوطا” نحو تشجيع الترشح النسائي في الدوائر المحلية، فيما يرى آخرون ضرورة استمرار العمل بالتمييز الإيجابي لضمان تمثيلية أكثر عدالة.
في هذا السياق، لوحظ غياب تام لأي نقاش حول لائحة الشباب، التي كانت تُعتمد في الانتخابات السابقة كآلية لتمكين الفئات الشابة من دخول البرلمان. ووفق المعطيات المتوفرة، فإن الخلافات الحزبية حول تعريف “الشباب” وتحديد سقف السن، دفعت نحو تجميد هذا المقترح وعدم إدراجه ضمن أجندة الإصلاح الحالي، وهو ما يطرح علامات استفهام حول جدية الفاعلين السياسيين في إشراك الأجيال الجديدة في تدبير الشأن العام.
وتُشير المعطيات إلى أن وزارة الداخلية تعتزم خلال الفترة المقبلة توسيع دائرة المشاورات، لتشمل مؤسسات دستورية وجهات حكومية، في أفق بلورة مشروع قانون انتخابي جديد يأخذ بعين الاعتبار خلاصات اللقاءات السابقة ومقترحات مختلف الفاعلين. هذا المسار يُنتظر أن يُفضي إلى تعديل تقني ومحدود لبعض الجوانب التنظيمية، دون أن يمس جوهر التوازنات السياسية الكبرى التي تحكم المشهد الحزبي في البلاد.
وهكذا، يبدو أن المغرب مقبل على إصلاح انتخابي محتشم، يراعي الظرفية العامة ويبحث عن الحد الأدنى من التوافق بين الفاعلين، أكثر من سعيه نحو إحداث قفزة نوعية في النظام الانتخابي. ومع ذلك، فإن نجاح هذه الخطوة سيظل رهينًا بقدرة الأطراف السياسية على تجاوز الحسابات الضيقة، ووضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.