يُعد المرحوم بلاهي بوهالة أحد الشخصيات البارزة التي ارتبط اسمها بتاريخ مدينة الداخلة وسنوات التحول السياسي والأمني التي عرفها إقليم وادي الذهب. وُلد الراحل بمدينة الداخلة، وتلقى تعليمه في المدارس الإسبانية خلال فترة الاستعمار الإسباني، مما مكّنه من اكتساب معارف وخبرات أهلته للالتحاق مبكرًا بسلك الشرطة الإسبانية، حيث عمل مفتشًا، وكان من بين الأطر المحلية النادرة التي شغلت مناصب مسؤولة آنذاك.
لم يقتصر نشاطه على العمل الأمني فقط، بل ساهم أيضًا في الحياة السياسية، وكان من مؤسسي حزب البونص، وهو ما يعكس وعيه المبكر بأهمية العمل السياسي في تحقيق تطلعات الساكنة المحلية.
وخلال فترة التواجد الموريتاني بمدينة الداخلة، واصل الراحل أداء مهامه الأمنية، حيث التحق بسلك الأمن الوطني الموريتاني، قبل أن يواصل مسيرته في ظل السيادة المغربية بعد استرجاع إقليم وادي الذهب سنة 1979. وقد تدرج في المسؤوليات الأمنية إلى أن عُيِّن رئيسًا لدائرة الأمن الوطني بالداخلة، وهو المنصب الذي شغله بتفانٍ وإخلاص، حيث بصم خلاله على مسار مهني متميز، اتسم بالكفاءة والانضباط وخدمة المواطنين.
إلى جانب عمله الرسمي، عُرف الراحل بسعيه الدائم إلى إصلاح ذات البين، حيث كان يتدخل بكل حكمة ومسؤولية لحل النزاعات بين المتخاصمين، ويصلح بينهم، بل وكان لا يتردد في دفع من مالٍه خاص لتسوية الخلافات، خاصة تلك المتعلقة بالديون والنزاعات الاجتماعية، إيمانًا منه بأهمية التسامح والوئام في استقرار المجتمع، ودون أي غاية سوى الإصلاح.
وظل الراحل يؤدي واجبه الوطني بكل نكران للذات إلى أن وافته المنية سنة 1998، بعد صراع مع المرض، تاركًا خلفه إرثًا من العمل الجاد والمواقف المشرفة التي ما زال يتذكرها أبناء المنطقة بكل تقدير واحترام.
ولعل أبرز دليل على الأثر العميق الذي تركه في الذاكرة الجماعية لساكنة الداخلة، أن اسمه ما يزال حاضرًا بقوة في وجدان المواطنين ورجال الأمن على حد سواء؛ إذ تُعرف الدائرة الأمنية التي ترأسها، رغم تسميتها الرسمية بـ”الدائرة الثانية” أو “دائرة المسيرة”، ورغم نقل مقرها لاحقًا، بـ**”دائرة بلاهي”**، وهو الاسم الذي لا يزال يتداوله الجميع إلى اليوم، تكريمًا لذكراه واعترافًا بعطاءاته.
تحية وفاء لروح رجل وهب حياته لخدمة الوطن والمواطن.