صوت الصحراء :القسم السياسي
في مشهد سياسي غير مألوف منذ خروجه من رئاسة الحكومة سنة 2021، عاد سعد الدين العثماني، الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية، إلى واجهة الجدل السياسي من خلال تدوينة مطولة نشرها على حسابه الشخصي بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، خصصها للرد على التصريحات الأخيرة لرئيس الحكومة الحالي عزيز أخنوش، خلال اللقاء التلفزيوني الذي بث على القناتين الأولى والثانية يوم الأربعاء 10 شتنبر 2025.
العثماني صعّد لهجته، وهاجم بشدة ما وصفه بـ“الأسلوب المتكرر” في خرجات أخنوش الإعلامية، قائلاً إنها لا تخلو من ثلاثة أمور: “إنكار لإنجازات الحكومتين السابقتين، أو استئثار بها عبر نسبتها للحكومة الحالية، أو إدبار عن تحمّل المسؤولية في تنزيل الإصلاحات الكبرى التي أسهمت حكومتا بنكيران والعثماني في وضع أسسها”. وخصّ بالذكر مشاريع كبرى مثل الدعم المباشر وتعميم الحماية الاجتماعية، معتبراً أن الحكومة الحالية تبني خطابها على نفي دور الحكومات السابقة وكأنها لم تضع أي لبنة في هذه الأوراش.
وأعاد العثماني التذكير بأن أخنوش لم يكن بعيداً عن الحكومات السابقة التي يوجّه لها اليوم انتقاداته، بل كان فاعلاً أساسياً فيها بصفته وزيراً، فيما تولى حزبه، التجمع الوطني للأحرار، قطاعات وازنة خلال ولايتي العدالة والتنمية، وهو ما يجعل ـ حسب تعبير العثماني ـ اتهاماته الحالية “مجانبة للمنطق”.
ومن بين القضايا التي فجّرت النقاش بين الطرفين موضوع الإشراف السياسي على الانتخابات. فبينما اعتبر أخنوش أن تجارب الإشراف من طرف رئيس الحكومة لم تكن ناجحة، وأن تكليف وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت بمهمة التحضير لاستحقاقات 2026 يأتي استجابة لتوجيه ملكي واضح، ردّ العثماني بتفصيل معطيات تاريخية، وقال إن دستور 2011 منح لرئيس الحكومة صلاحية الإشراف السياسي على العملية، مستشهداً بترؤس سلفه عبد الإله بنكيران لاجتماعات مماثلة سنة 2016، وبترؤسه شخصياً اللقاء التشاوري في مارس 2020 للإعداد لانتخابات 2021، وهي لقاءات وصفها بأنها “ناجحة وأسهمت في تعديلات وإصلاحات بتوافق واسع”.
وفي نبرة تحمل الكثير من السخرية، أعلن العثماني موافقته مع أخنوش على أن إشراف رئيس الحكومة كان “فاشلاً”، لكن من زاوية تمرير القاسم الانتخابي الجديد الذي رفضه هو بشدة، معتبراً أنه شوّه العملية الانتخابية وأضعف ثقة المواطنين في المسار الديمقراطي. واعتبر أن نجاح الحكومة عند أخنوش قد يكون في “تبني هذا القاسم الانتخابي الغريب” الذي فرض في البرلمان رغم المعارضة الواسعة له.
ولم يقتصر رد العثماني على قضية الانتخابات، بل امتد إلى ملفات استراتيجية مثل الماء، وميثاق الاستثمار، والتغطية الصحية. واتهم رئيس الحكومة بعدم تقديم أجوبة مقنعة، والاكتفاء بلغة “التملص من المسؤولية” وإلقاء اللوم على الحكومات السابقة، وكأنها كبّلته أربع سنوات متتالية ومنعته من الوفاء بوعوده الانتخابية وبرنامج حكومته.
تدوينة العثماني جاءت لتفتح الباب أمام مواجهة سياسية علنية بين رئيسي حكومتين سابق وحالي، في لحظة سياسية دقيقة تستبق الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. وقد لوّح العثماني بمزيد من الردود والتوضيحات حول ملفات أخرى يصفها بـ“الحساسة”، ما يوحي بأن هذا السجال لن يتوقف قريباً، وقد يتحول إلى محور نقاش سياسي وإعلامي واسع خلال الأشهر المقبلة