في الأقاليم الصحراوية، لا يختلف اثنان حول أهمية صون الوحدة الترابية وخدمة الوطن، لكن الحفاظ على هذه الثوابت لا يكون بتحويل الوطنية إلى أداة للتصنيف أو الإقصاء، ولا بجعل تهمة الانفصال تُلقى جزافًا في وجه كل مخالف في الرأي أو منتقد للشأن العام.
إن أخطر ما يمكن أن يواجه أي مجتمع هو أن تتحول الاتهامات الخطيرة إلى وسيلة لإسكات الأصوات، بدل أن تبقى مرتبطة بالقانون والأدلة والإجراءات القضائية. فالوطنية ليست صكًا يمنحه طرف لطرف، ولا وسيلة لتصفية الحسابات السياسية أو الاجتماعية، بل مسؤولية مشتركة يحكمها القانون وتحميها المؤسسات.
اليوم، يطرح المواطنون أسئلة تستحق نقاشًا هادئًا ومسؤولًا:
هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع عندما يتعلق الأمر بالاتهامات المرتبطة بالوطنية، أم تختلف باختلاف الأشخاص ومواقعهم؟
هل يكفي اختلاف الرأي أو توجيه النقد حتى يُتهم صاحبه في وطنيته، بينما يُتعامل مع حالات أخرى بمنطق مختلف؟
هل فرص التوظيف وتحمل المسؤولية والترقي داخل المؤسسات تُبنى على الكفاءة والاستحقاق، أم أن المواطن ما زال يتساءل عن مدى تكافؤ الفرص؟
هل أصبحت الوطنية قيمة جامعة توحد الجميع، أم أنها تُستحضر أحيانًا في الجدل السياسي أكثر مما تُترجم إلى ممارسات قائمة على الإنصاف والعدالة؟
إن بناء الثقة لا يتحقق بالشعارات، وإنما بالوضوح والاتساق في تطبيق القانون. فلا ينبغي أن تُستخدم القضايا الوطنية الحساسة لإسكات النقاش العمومي، كما لا يجوز توظيفها لإضفاء الشرعية على مواقف أو نزعها عن أخرى خارج الأطر القانونية.
إن الأقاليم الصحراوية في حاجة إلى نقاش مسؤول يركز على التنمية، والعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، والحكامة الجيدة، لأن قوة المؤسسات تُقاس بقدرتها على معاملة جميع المواطنين بالمعايير نفسها، دون انتقائية أو تمييز.
فالوطنية لا تُقاس بالشعارات، ولا تُختزل في الاتهامات، بل تظهر في احترام القانون، وخدمة الصالح العام، وصون كرامة المواطنين، وترسيخ المساواة أمام الحقوق والواجبات. وعندما تكون المعايير واحدة للجميع، تنتفي الحاجة إلى المتاجرة بالوطنية، ويصبح الانتماء للوطن حقيقة تُترجم بالأفعال لا بالخطابات.
تعليقات الزوار