بين الحركية السياسية وقيود القانون.. انتقال المنتخبين ورؤساء الجماعات بالأقاليم الجنوبية يعيد الجدل حول “الترحال السياسي”

صوت الصحراء: القسم السياسي
تشهد الأقاليم الجنوبية للمملكة خلال الآونة الأخيرة حركية سياسية متسارعة، تميزت بانتقال عدد من المنتخبين ورؤساء الجماعات الترابية والقيادات الحزبية بين عدد من الأحزاب السياسية، في سياق الاستعداد المبكر للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وإعادة ترتيب موازين القوى داخل المؤسسات المنتخبة بالجهات الجنوبية.
وتأتي هذه التحركات في وقت يتجدد فيه النقاش حول مدى انسجامها مع المقتضيات الدستورية والقوانين التنظيمية المؤطرة للحياة الحزبية، وما إذا كانت تدخل في إطار الحق الدستوري في تغيير الانتماء السياسي، أم أنها تطرح إشكالات قانونية مرتبطة بما يعرف بالترحال السياسي، خاصة عندما يتعلق الأمر بمنتخبين يمارسون مسؤوليات تمثيلية أو برؤساء جماعات ترابية يشكلون جزءاً من الأغلبية المسيرة.
الدستور يكفل حرية الانتماء… والقانون يضع الضوابط
ينص الفصل السابع من دستور المملكة على أن الأحزاب السياسية تؤطر المواطنات والمواطنين، وتساهم في التعبير عن إرادة الناخبين والمشاركة في ممارسة السلطة، في إطار احترام الدستور والقانون.
وبالموازاة مع ذلك، منح القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية للمواطنين حرية الانخراط في الأحزاب السياسية أو مغادرتها، غير أن هذه الحرية ليست مطلقة، إذ أخضعها لمقتضيات قانونية وتنظيمية دقيقة.
فقد نصت المادة 21 من القانون التنظيمي على أن الانخراط في الحزب يتم وفق الشروط المحددة في نظامه الأساسي، فيما أكدت المادة 22 أن إنهاء العضوية يتم وفق المسطرة المنصوص عليها في النظام الأساسي للحزب، قبل الالتحاق بأي تنظيم سياسي آخر، بما يعني أن القانون لا يجيز الجمع بين عضوية حزبين في الوقت نفسه.
كما سبق للمحكمة الدستورية أن أكدت في عدد من قراراتها أن تغيير الانتماء الحزبي حق مشروع، لكنه يقتضي احترام الإجراءات القانونية والتنظيمية، وأن الانتماء يجب أن يكون واضحاً وصريحاً، بما يحول دون قيام أي وضعية للتنافي أو ازدواجية الانتماء.
البرلمانيون… والدستور يحسم
إذا كان قانون الأحزاب ينظم كيفية تغيير الانتماء السياسي، فإن الدستور كان أكثر صرامة بالنسبة لأعضاء البرلمان.
فالفصل 61 من دستور 2011 ينص على تجريد عضو مجلس النواب أو مجلس المستشارين من عضويته إذا تخلى، خلال مدة انتدابه، عن الحزب السياسي الذي ترشح باسمه أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها، ويصدر قرار التجريد عن المحكمة الدستورية.
ويهدف هذا المقتضى إلى حماية الإرادة الشعبية التي أفرزتها صناديق الاقتراع، ومنع تغيير الأغلبية البرلمانية بسبب الانتقالات الحزبية.
ماذا عن رؤساء الجماعات والمنتخبين؟
أما بالنسبة لرؤساء الجماعات الترابية وأعضاء المجالس المنتخبة، فإن وضعيتهم تؤطرها القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية، وعلى رأسها القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، إلى جانب القانون التنظيمي رقم 59.11 المتعلق بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية.
ورغم أن هذه النصوص لا ترتب الأثر نفسه الذي رتبه الفصل 61 بالنسبة للبرلمانيين، فإنها تلزم المنتخبين باحترام المقتضيات القانونية والتنظيمية المؤطرة للانتماء الحزبي، كما أن ممارسة المسؤوليات التنظيمية أو السياسية داخل حزب جديد، قبل استكمال مسطرة الانسحاب من الحزب الأصلي، قد تثير نقاشاً قانونياً وسياسياً حول مدى احترام مقتضيات قانون الأحزاب.
ويؤكد عدد من المختصين في القانون العام أن انتقال رؤساء الجماعات أو المنتخبين من حزب إلى آخر لا يترتب عنه، في حد ذاته، فقدان العضوية بالمجالس المنتخبة، إلا إذا وجد نص قانوني خاص يرتب ذلك أو صدر حكم قضائي أو قرار عن الجهة المختصة في الحالات التي ينظمها القانون.
الأقاليم الجنوبية… تنافس انتخابي مبكر
وتكتسي هذه النقاشات أهمية خاصة في الأقاليم الجنوبية، التي تعرف منذ أشهر حركية سياسية مكثفة، بعد إعلان أو تداول أخبار عن انتقال عدد من المنتخبين ورؤساء الجماعات والقيادات الحزبية إلى أحزاب أخرى، في إطار إعادة تشكيل التحالفات السياسية استعداداً للاستحقاقات المقبلة.
ويرى متابعون أن هذه الدينامية تعكس احتدام المنافسة بين الأحزاب الكبرى لاستقطاب المنتخبين ذوي الامتداد الانتخابي، بالنظر إلى الوزن السياسي الذي أصبحت تمثله الجهات الجنوبية داخل المشهد الوطني، خصوصاً في ظل المشاريع التنموية الكبرى التي تعرفها المنطقة، والاستعدادات المرتبطة بتنزيل النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية.
وفي المقابل، يثير هذا الواقع تساؤلات حول الوضعية القانونية لبعض المنتخبين الذين يعلنون انضمامهم إلى حزب جديد، أو يشاركون في أنشطته التنظيمية، دون الإعلان عن استكمال إجراءات الانسحاب من الحزب الذي انتخبوا باسمه، وهو ما يجعل احترام مقتضيات القانون التنظيمي للأحزاب السياسية شرطاً أساسياً لضمان وضوح المشهد السياسي.
بين القانون والأخلاق السياسية
ويرى باحثون في القانون الدستوري أن النصوص القانونية وحدها لا تكفي لضبط الظاهرة، إذ تبقى أخلاقيات العمل السياسي عاملاً أساسياً في الحفاظ على الثقة بين المنتخب والناخب، باعتبار أن التصويت يتم في الغالب على أساس برنامج سياسي وهوية حزبية، وليس فقط على أساس الأشخاص.
كما أن الديمقراطية الداخلية للأحزاب تظل أحد المفاتيح الأساسية للحد من الانتقالات الجماعية، من خلال تعزيز آليات الحوار الداخلي، وضمان الشفافية في تدبير الترشيحات والمسؤوليات، بما يقلل من أسباب الاحتقان والانشقاق.
احترام القانون ضمان لاستقرار المؤسسات
ورغم أن القانون المغربي يقر بحرية تغيير الانتماء السياسي، فإنه يحيطها بجملة من الضوابط القانونية والتنظيمية، ويمنع صراحة الجمع بين عضوية حزبين، كما يفرض على البرلمانيين مقتضيات دستورية صارمة، بينما يخضع المنتخبون ورؤساء الجماعات لمقتضيات قوانين الجماعات وقانون الأحزاب والأنظمة الأساسية للأحزاب السياسية.
وفي ظل الحركية السياسية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية، يبقى احترام الدستور، والقوانين التنظيمية، والأنظمة الأساسية للأحزاب، شرطاً أساسياً لترسيخ الممارسة الديمقراطية، وضمان استقرار المؤسسات المنتخبة، وصون ثقة المواطنين في العمل السياسي، بعيداً عن كل ما من شأنه أن يثير اللبس بشأن الوضعية القانونية والتنظيمية للمنتخبين أو القيادات الحزبية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد