صوت الصحراء : القسم السياسي
الخروج الإعلامي الأخير لرئيس الحكومة عزيز أخنوش على القناتين الأولى والثانية، لا يمكن التعامل معه كحدث تواصلي عابر. لقد كان في العمق خطابا سياسيا مركّبا، حمل رسائل مزدوجة: أولها موجه للمغاربة لإقناعهم بأن الحكومة ماضية في استكمال أوراش كبرى تقودها المؤسسة الملكية، وثانيها موجه للطبقة السياسية، وخاصة حزب العدالة والتنمية، الذي يواصل الاستثمار في خطاب المظلومية والتشكيك في نزاهة العملية الانتخابية.
أخنوش بدا وكأنه يوجه إنذارا مبطنا: “الزمن الحكومي ليس ملعبا للمزايدات”. فقد قسم السنة الأخيرة من الولاية إلى ثلاث محطات دقيقة: إنهاء المشاريع المفتوحة، تقديم الحصيلة، ثم خوض الانتخابات صيف 2026. بهذا المنطق، يسعى رئيس الحكومة إلى إعادة ضبط إيقاع السياسة: لا مكان للحملة الانتخابية المبكرة، بل لإنجاز ما يمكن إنجازه قبل موعد الاقتراع.
لكن هذا الخطاب لا ينفصل عن المعركة الصامتة مع العدالة والتنمية. فالحزب الذي قاد تجربتين حكوميتين بفضل نفس القواعد الانتخابية، يعود اليوم ليطعن فيها بدعوى “الحياد السلبي” لوزارة الداخلية. وهنا كان رد أخنوش قاسيا: “القواعد لم تتغير، أنتم من تغير”. إنها رسالة تصادمية واضحة تعرّي تناقض البيجيدي وتضعه في خانة من يرفض الاعتراف بتجربته السابقة.
في المقابل، يحرص أخنوش على إظهار نفسه كرجل دولة، لا كزعيم متعطش للبقاء في السلطة. فحين سُئل عن مستقبل رئاسة الحكومة، أجاب بوضوح أن الأمر دستوري وبيد جلالة الملك. بل أضاف أن طموحه ليس “حكومة المونديال”، بل “حكومة التنمية”، لأن الرياضة ـ رغم رمزيتها ـ لا تختزل الأجندة التنموية للمغرب. هذا التفريق يعكس محاولة رسم صورة رجل السياسة المسؤول، الذي يضع رهانات الدولة فوق الحسابات الانتخابية.
الرسالة الأعمق في خطاب أخنوش هي أن المغرب يعيش زمن الدولة لا زمن الأحزاب. فالأوراش الكبرى: من تعميم الحماية الاجتماعية، إلى مشاريع الطاقات المتجددة، إلى استراتيجيات الأمن المائي، ليست رهينة بانتخابات أو أغلبية عابرة. إنها امتداد لرؤية ملكية متكاملة، والحكومة مجرد أداة لتنزيلها.
غير أن السؤال الجوهري يبقى مفتوحا: هل ينجح أخنوش في إقناع الرأي العام بأن الأولوية اليوم للإنجازات، أم أن المعارضة ستنجح في جرّ النقاش نحو مربع “الانتخابات المبكرة” و”الحياد السلبي”؟ وهل يستطيع الرجل، وهو يواجه خصما يجيد صناعة العواطف السياسية، أن يثبت بأن لغة الأرقام والمشاريع قادرة فعلا على كسب ثقة الناخبين في صيف 2026؟
الجواب سيأتي مع اقتراب ساعة الحسم، لكن المؤكد أن المواجهة بين منطق الدولة ومنطق الشعبوية ستكون عنوان المرحلة.