تحت غطاء الاستثمار: مستودعات للخمور وشركات وهمية تنخر عقار الداخلة

 

صوت الصحراء : الداخلة

لا يبدو أن ما اصطلح عليه في الأوساط المحلية بـ”العشرية السوداء” بجهة الداخلة وادي الذهب سيمر دون مساءلة تاريخية، بعد أن تراكمت خلالها ملفات شائكة تُثير تساؤلات كبرى حول طبيعة التدبير، ومدى احترام القانون، وانعكاسات ذلك على النسيج الاجتماعي والقيمي، بل وحتى على الاستقرار المؤسساتي بالمنطقة.

ففي قلب هذا الواقع، يبرز ملف التلاعب بالبقع الأرضية، الذي تحوّل خلال تلك العشرية إلى وسيلة للترضية والمحاباة، بدل أن يكون أداة لتحقيق العدالة المجالية. وقد تم تمكين عدد من الجهات النافذة من عقارات ثمينة بطرق لا تخضع لأي منطق قانوني أو تنموي، بينما تم إقصاء فئات واسعة من أبناء الجهة من حقهم المشروع في السكن أو الاستثمار. الأخطر من ذلك، أن العديد من البقع الاستثمارية تم منحها إلى شركات وهمية لا تتوفر لا على مقرات حقيقية ولا على عمال ولا حتى على رقم معاملات يُذكر. والغرض من وجود هذه الشركات لم يكن سوى الالتفاف على القانون من أجل الاستحواذ على الأراضي، وإعادة بيعها لاحقًا أو تحويل وجهتها الأصلية، في خرق صريح للقانون 17.95 المتعلق بشركات المساهمة، ومقتضيات الفصلين 540 و547 من القانون الجنائي المغربي، اللذين يُجرّمان النصب والإدلاء ببيانات كاذبة للحصول على منافع عمومية.

 

وإلى جانب العبث في قطاع العقار، برزت ظاهرة لا تقل خطورة: منح تراخيص غير مبررة لعدد متزايد من الحانات والمتاجر المختصة في بيع الخمور، مع توسيع نطاق هذه الأنشطة لتشمل مستودعات تُستخدم حصريًا لتخزين المشروبات الكحولية. هذا التوسع حصل رغم أن القوانين واضحة وصريحة في منع بيع الخمور للمغاربة المسلمين، كما ينص على ذلك المرسوم الملكي 02.03.222 الصادر في 10 يونيو 2003، وكذا الظهير الشريف الصادر في 24 نونبر 1913، حيث تؤكد المادتان على تجريم بيع أو تقديم الكحول للمسلمين.

 

ما يزيد من خطورة الأمر أن جهة الداخلة تكاد تخلو من غير المسلمين، ما يجعل هذه التراخيص فاقدة لأي مبرر واقعي أو سوسيو-اقتصادي. بل إن المعطيات المتداولة تفيد أن بعض هذه الحانات والمخازن تمركزت في مناطق حساسة اجتماعيًا، ما ساهم في استفحال مظاهر الانحراف بين فئة الشباب، الذين وجدوا أنفسهم أمام مشهد مفتوح على كل الإغراءات المدمرة، في غياب أي رقابة حقيقية أو بدائل ثقافية وتنموية جادة.

إن مظاهر الانحراف لم تعد خفية، بل أصبحت حديث الأسر والمجتمع، حيث لوحظ تزايد حالات الإدمان، وتفشي سلوكيات مشينة وسط الأحياء، وتحول بعض الفضاءات إلى بؤر شبه علنية لترويج الكحول. وقد صاحب ذلك نوع من اللامبالاة الإدارية والصمت المؤسساتي، ما يثير الشكوك حول وجود تواطؤ ضمني أو تساهل غير مبرر، في تناقض صارخ مع الدستور الذي ينص على أن الإسلام دين الدولة، وعلى ضرورة حماية الهوية الثقافية والقيمية للمجتمع المغربي.

وما يزيد الطين بلة هو غياب الحكامة والمحاسبة في تدبير هذه المرحلة. فالدستور، في فصله الأول، يربط المسؤولية بالمحاسبة، ويؤكد على أولوية الشفافية في الشأن العام. ومع ذلك، مرت العشرية السوداء دون أن تُفتح ملفاتها أمام القضاء أو مؤسسات الرقابة، مما جعل المواطن يفقد الثقة في جدوى الشكاوى أو في وعود الإصلاح.

أمام كل هذه المعطيات، بات من الضروري والملح فتح تحقيق رسمي نزيه وشامل، تُشرف عليه مؤسسات الرقابة وعلى رأسها المجلس الأعلى للحسابات، من أجل تحديد المسؤوليات، واسترجاع ما يمكن استرجاعه من الحقوق والموارد المنهوبة، ورد الاعتبار للساكنة التي دفعت ثمن الفساد الإداري والاقتصادي والرمزي.

رحيل بعض الوجوه لا يعني طي صفحة ما جرى، بل العكس، يجب أن يُفتح هذا الملف على مصراعيه، لأن العشرية السوداء لم تكن مجرد أخطاء معزولة، بل كانت مرحلة ممنهجة من الإفساد والتمييع والانحراف المؤسسي، كانت لها آثار مدمّرة على النسيج الاجتماعي، وعلى أخلاق الشباب، وعلى ثقة المواطن في القانون.

إذا لم تتحرك الدولة اليوم لمحاسبة المتورطين، فإن شعار “لا أحد فوق القانون” سيبقى مجرد عبارة جميلة تتردد في الخطابات، بينما الواقع يزداد تعفنًا، والجهة تغرق في دوامة من التهميش والانهيار القيمي.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد