عندما تُبحر الثروة… وتغرق العدالة!

في الوقت الذي تُرفع فيه شعارات “الثروة للجميع” و”تنمية الأقاليم الجنوبية”، تعيش جهة الداخلة وادي الذهب مفارقة صارخة بين من يجنون الملايين من خيرات البحر، ومن لا ينالون إلا الفتات من ثرواتهم الطبيعية.
إنه الواقع الموجع الذي ترسمه أساطيل الصيد في أعالي البحار، وهي تسرح وتمرح في المياه الإقليمية الجنوبية، مستفيدة من امتيازات هائلة، على رأسها 63% من الحصة الإجمالية للأخطبوط في كل موسم، في مقابل تخصيص فقط 26% لقطاع الصيد التقليدي، الذي يُعد شريانًا حيويًا للاقتصاد المحلي ومصدر عيش لآلاف الأسر.

أساطيل الصيد الصناعي في أعالي البحار لا تترك خلفها سوى الخراب البيئي: تجرف كل ما يأتي في طريقها من نباتات بحرية وكائنات حية، وتُجهز على الأخضر واليابس، دون مراعاة للثروة السمكية أو التوازن البيئي.
والأدهى من ذلك، أن هذه السفن العملاقة تشغل بالكاد 25 شخصًا في كل وحدة بحرية، غالبًا ما يكونون من خارج الجهة، مما يُسقط أسطورة “خلق فرص الشغل” التي يُروج لها في كل موسم صيد.

في المقابل، يُصارع الصيد التقليدي، الذي يُشكل العمود الفقري لاقتصاد الجهة، من أجل البقاء.
أزيد من 2500 قارب تقليدي يُكافح في ظروف صعبة، بينما العدد المؤهل لصيد الأخطبوط يصل إلى 3082 قاربًا.
هذا القطاع لا يشغل فقط أبناء الداخلة، بل آلاف الصيادين الموسميين من مختلف جهات المملكة، ممن يجدون في هذا النشاط مورد رزق وحيد، لا بديل له.

نعم، الثروات البحرية ثروات وطنية، لا نقاش في ذلك. لكن الوطنية الحقيقية لا تقتصر على الشعارات، بل تُقاس بعدالة التوزيع، وإنصاف الجهات التي تزخر بالخيرات ولا ترى نصيبًا عادلاً منها.
ما يحدث في جهة الداخلة وادي الذهب ليس سوى شكل آخر من مركزة الثروة وتهميش الأطراف، مما يُفاقم الإحساس بالغبن، ويُضعف الثقة في المؤسسات وسياسات التنمية المزعومة.

إلى متى ستظل حصة الأسد محفوظة لفائدة لوبيات الصيد الصناعي؟
من يُحاسب هذه الأساطيل على الأثر البيئي الذي تخلفه؟
لماذا لا يُشترط تشغيل أبناء الجهة ضمن طواقم هذه السفن؟
وهل من المعقول أن يُقسم الكعك البحري بهذه الطريقة المجحفة؟

الداخلة ليست فقط بوابة المغرب على إفريقيا، ولا مجرد وجهة سياحية بديعة، بل هي أيضًا من أغنى المناطق بثروتها البحرية.
وإذا كانت الدولة تتحدث عن “نموذج تنموي جديد”، فلتبدأ من هنا: إنصاف البحّار، حماية البيئة البحرية، وفرض عدالة توزيع الثروة.
غير ذلك، سنظل نُردد في كل موسم صيد: الثروة تُبحر بعيدًا… والعدالة تغرق بصمت.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد