مع اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026، عاد ملف التمويل العمومي للأحزاب السياسية ليطرح نفسه بقوة على طاولة النقاش، بعدما تقدمت عدة تنظيمات بمذكرات رسمية إلى وزارة الداخلية تطالب فيها برفع سقف الدعم المخصص للحملات الانتخابية.
بعض الأحزاب اقترحت رفع المبلغ المخصص من 60 إلى 80 مليون درهم، مبررة طلبها بارتفاع تكاليف الحملات وضغط المصاريف. في المقابل، طالبت 22 حزباً صغيراً برفع الميزانية الإجمالية من 75 إلى 200 مليون درهم، معتبرة أن ضعف التمويل يحد من قدرتها على المنافسة ويُضعف مبدأ تكافؤ الفرص مع الأحزاب الكبرى.
لكن هذه المطالب تواجه ملاحظات متكررة من المجلس الأعلى للحسابات، الذي سبق أن سجل خروقات في تدبير المال العمومي الموجه للأحزاب، من بينها تجاوز سقف التبرعات أو العجز عن تبرير النفقات خلال استحقاقات سابقة. وهو ما يطرح سؤال الشفافية والمصداقية في تسيير موارد عمومية يُفترض أن تخضع لصرامة المحاسبة.
من زاوية تحليلية، يرى خبراء أن النقاش يتجاوز الجانب المالي ليطرح سؤال الثقة السياسية. فحسب الباحث في العلوم السياسية محمد الغالي، “أي رفع في تمويل الأحزاب يجب أن يرتبط بإصلاحات مؤسساتية تعزز الشفافية وتلزم التنظيمات السياسية بالكشف التفصيلي عن مواردها ومصاريفها”، مشيراً إلى أن “المشكل ليس في حجم التمويل بقدر ما هو في طرق تدبيره”.
على المستوى المقارن، تُظهر تجارب دول مثل فرنسا وإسبانيا أن التمويل العمومي للأحزاب يتم ربطه بنسبة الأصوات المحصل عليها وعدد المقاعد، مع إلزامية نشر الحسابات المالية للعموم عبر تقارير رسمية متاحة للمواطنين، ما يساهم في تعزيز الرقابة الاجتماعية والحد من الشبهات. في المقابل، تشير دراسات إلى أن دولاً أخرى مثل ألمانيا وكندا تضع سقفاً صارماً للهبات الخاصة، لضمان عدم هيمنة المال على القرار السياسي.
المفارقة في السياق المغربي أن مطالب الزيادة تأتي في وقت يطالب فيه جزء واسع من الرأي العام بتقليص النفقات العمومية وتوجيهها نحو أولويات اجتماعية كالتعليم والصحة وفرص الشغل، وهو ما يجعل أي قرار حكومي في هذا الشأن محكوماً بالتوازن بين متطلبات دعم الحياة الحزبية وضغط الحاجيات الاجتماعية.
الجدل إذن لا يتعلق فقط بالأرقام، بل بالخيارات الكبرى للدولة: هل الاستثمار في تمويل الأحزاب هو شرط لترسيخ الديمقراطية والتعددية، أم أن الأولوية تظل لتقليص العجز الاجتماعي وتحقيق العدالة الاقتصادية؟ سؤال مفتوح سيظل يرافق النقاش الانتخابي حتى موعد استحقاقات 2026.