صوت الصحراء
في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه الثروة السمكية الوطنية، وما تعرفه بعض المصايد من مؤشرات مقلقة تنذر بالاستنزاف، اختارت كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري تفعيل ورش تنطيق الصيد الساحلي بالجر كخيار استراتيجي يروم تنظيم الجهد الصيدي، وضمان الاستغلال المستدام للموارد البحرية، وحماية مستقبل آلاف البحارة المرتبطين بهذا القطاع الحيوي.
وفي هذا السياق، أوضح عبد الله مستتر، مدير مديرية الصيد البحري، أن نظام التنطيق لم يكن قرارًا فجائيًا أو معزولًا، بل جاء استجابة لمطلب ظل المهنيون يعبّرون عنه منذ سنوات، بالنظر إلى التدهور البيولوجي الذي تعرفه بعض المصايد، خاصة على مستوى الواجهة المتوسطية. وأبرز أن ملف التنطيق كان من بين أول الأوراش التي اشتغل عليها فور توليه مهامه، بالنظر إلى حساسيته وأبعاده الاستراتيجية المرتبطة بالأمن الغذائي والاستدامة البيئية.
وخلال مداخلته ضمن أشغال الدورة العادية الرابعة لغرفة الصيد المتوسطية، أكد مستتر، وفق ما أوردته بوابة الغرفة، أن إعداد هذا الورش تم في إطار تعاون وثيق مع المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، الذي أنجز دراسات علمية دقيقة وخرائط تقنية مفصلة لمناطق الصيد، مكنت من تشخيص دقيق لوضعية المصايد واتخاذ قرارات مبنية على أسس علمية موثوقة، بعيدًا عن المقاربات الظرفية أو الارتجالية.
وأضاف المسؤول ذاته أن الصيغة النهائية للقرارات المرتبطة بالتنطيق جاءت بعد مشاورات موسعة مع مختلف الفاعلين والمهنيين، وتنظيم سلسلة من اللقاءات التشاورية، مشددًا على أن الوضعية البيولوجية الحرجة للمخزون السمكي بالمنطقة المتوسطية فرضت اتخاذ قرارات استعجالية، من أجل وقف نزيف الاستنزاف الذي بات يهدد استمرارية النشاط البحري ومصدر عيش آلاف الأسر.
وأشار مستتر إلى أن المؤشرات الحالية لوضعية المصايد بالواجهة المتوسطية “تبث على قلق شديد”، خاصة في ظل تزايد انتقال مراكب الصيد نحو الأقاليم الجنوبية، بحثًا عن مردودية أفضل، وهو ما يعكس تراجع جاذبية هذه الواجهة البحرية التي كانت إلى وقت قريب من بين أهم مناطق الصيد بالمملكة. واعتبر أن هذا التحول غير المتوازن في توزيع مجهود الصيد يطرح إشكال العدالة المجالية ويضاعف الضغط على المصايد الجنوبية.
وأكد أن عدداً من الممارسات غير المعقولة، من قبيل الرفع غير المضبوط لقدرات الأسطول، وتزايد أيام الإبحار، واستعمال وسائل صيد غير ملائمة، ساهمت بشكل مباشر في استنزاف الموارد البحرية، ما يستدعي التعامل معها بحزم في إطار حكامة رشيدة توازن بين متطلبات الاستغلال والحفاظ على المخزون.
وفي هذا الإطار، أصدرت كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري قرارًا وزاريًا يقضي بإعادة تنظيم مناطق نشاط مراكب الصيد الساحلي بالجر، عبر اعتماد نظام التنطيق الذي سيدخل حيز التنفيذ ابتداءً من موسم 2026. ويستند القرار إلى مرجعيات قانونية وتنظيمية وطنية، إضافة إلى توصيات علمية صادرة عن المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، بما يعزز شرعيته التقنية والمؤسساتية.
وينص القرار على تقسيم الساحل الوطني إلى خمس وحدات للتدبير، تشمل واجهة البحر الأبيض المتوسط، ومنطقة طنجة–المحمدية، والدار البيضاء–الصويرة، وأكادير–العيون، ثم وحدة جنوب بوجدور. كما حدد موانئ التفريغ التابعة لكل وحدة والإحداثيات الجغرافية المؤطرة لنطاق اشتغالها، بهدف ضبط حركة الأسطول والحد من التنقلات العشوائية بين المصايد.
وأكد القرار إلزام كل مركب صيد ساحلي بالجر بالاشتغال داخل وحدة واحدة فقط خلال الموسم السنوي، انطلاقًا من أحد موانئها، بما يسمح بتنظيم الجهد الصيدي وتخفيف الضغط على المصايد الهشة. واستثناءً، تم السماح لمراكب الوحدة الثانية بالتفريغ بميناء الدار البيضاء نظرًا لطاقته الاستيعابية وبنيته التحتية المتطورة. كما تم الإبقاء على نظام القرعة بوحدة جنوب بوجدور، مع تحديد سقف أقصى في 150 مركبًا خلال موسم صيد الأخطبوط، حفاظًا على التوازن البيئي لهذه المنطقة الحساسة.
وتعزز هذه الإجراءات نتائج دراسة تقنية أنجزتها الإدارة الوصية حول تطور مجهود الصيد وأثره على المصطادات خلال الفترة ما بين 2015 و2024، والتي كشفت عن ارتفاع الحمولة الصافية لأسطول الصيد الساحلي بالجر بنسبة 52%، مقابل نمو ضعيف في الإنتاج لم يتجاوز 1%، ما يؤكد بلوغ عدد من المصايد حد الإشباع البيولوجي، وتراجع الإنتاجية لكل وحدة جهد.
وفي المقابل، لا تزال الثروة البحرية بالمغرب تواجه تحديات بنيوية، أبرزها الضغط المتزايد على المصايد الجنوبية، وضعف تفعيل ميناء الربط، واستمرار بعض الممارسات غير القانونية، من بينها استعمال الشباك المحظورة والتصريح الناقص بالكميات المصطادة. وهي إكراهات تقوض مجهودات الاستدامة وتستدعي تعزيز آليات المراقبة في عرض البحر، وتفعيل الزجر، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويرى مهنيون أن نجاح ورش التنطيق يظل رهينًا بإرساء حكامة فعالة، تقوم على العدالة المجالية، والتوزيع المتوازن لمجهود الصيد، وإشراك الفاعلين المحليين في تدبير المصايد، إلى جانب الاستثمار في البحث العلمي والمراقبة التقنية. كما يؤكدون أن حماية الثروة السمكية لم تعد خيارًا ظرفيًا، بل ضرورة وطنية تفرضها رهانات الأمن الغذائي، والاستقرار الاجتماعي، والتنمية المستدامة للمجالات الساحلية.
تعليقات الزوار