صوت الصحراء : العيون
في واحدة من حلقات مسلسل التهريب البحري الذي لا ينتهي، أسفرت عملية مراقبة روتينية، نفذتها لجنة مختلطة تضم مصالح مندوبية الصيد البحري وأطر من مديرية مراقبة أنشطة الصيد، عن حجز كميات هامة من أسماك الأسقمري (كابيلا)، كانت موجهة إلى السوق السوداء، دون أي تصريح قانوني. العملية، التي جرت بسلاسة مهنية، كشفت عن حجز ما يقارب طن و397 كلغ موزعة على 136 صندوقاً، كانت على متن مركبين للصيد الساحلي صنف السردين، في خرق صريح لمقتضيات التصريح بالمصطادات.
المثير في الواقعة، ليس فقط في حجم المحجوزات أو في قيمتها المالية التي فاقت 8000 درهم، بل في دلالاتها العميقة، التي تكشف استمرار بعض الجهات في انتهاج سلوكيات متكررة تضرب في الصميم جهود تنظيم القطاع وتخليق الممارسة المهنية. فالتصريف غير القانوني للمنتوجات البحرية لا يُعتبر فقط مخالفة، بل هو تهديد مباشر لمنظومة الصيد المستدام، وعبث بمبدأ العدالة الاقتصادية داخل الموانئ.
الفاعلون المهنيون، الذين أبدوا استياءهم من هذه الممارسات، عبّروا عن تخوفهم من ظاهرة تَحوُّل بعض المراكب إلى كيانات “متمردة” على القانون، تلجأ إلى التحايل والاستفادة غير المشروعة على حساب الفئات الملتزمة. كما أشار عدد من المتتبعين إلى إشكالية اقتصاص الغرامات من مبيعات البحارة، في غياب آليات قانونية واضحة تُحمِّل المسؤولية المباشرة للربان والمستغل، لا للعاملين البسطاء على ظهر المركب.
ومن جانب آخر، تجدّدت الدعوات إلى ضرورة الإسراع في إخراج مشروع القانون 95.21 إلى حيّز التنفيذ، لما يتضمنه من إجراءات صارمة، أبرزها تغليظ العقوبات المالية، وتضمين عقوبات سالبة للحرية، في حق كل من يُضبط متلبساً بحيازة أصناف بحرية غير مصرّح بها أو دون ما يثبت مصدرها. هذه المطالب لا تعكس فقط رغبة مهنية في الضبط، بل تعبّر عن وعي جماعي بضرورة تطهير الساحة من كل ما يسيء إلى صورة القطاع داخلياً وخارجياً.
في السياق ذاته، تتعالى الأصوات مطالبة بإحداث قضاء متخصص في قضايا الصيد البحري والأنشطة المرتبطة به، يكون قادراً على التعامل مع تعقيدات هذا القطاع الحيوي، في ظل تنامي الجرائم البحرية وتعدد أوجهها. كما يُطالب بخلق آلية تشاورية مؤسساتية بين النيابة العامة ومندوبيات الصيد، تُمكِّن من معالجة الملفات وفق مقاربة دقيقة تأخذ بعين الاعتبار خصوصية القطاع، والبعد الاستراتيجي للثروة السمكية في الاقتصاد الوطني.
إن تكرار هذا النوع من الخروقات يعكس، بوضوح، أن المعركة من أجل صيد قانوني ومستدام لم تُحسم بعد، وأن تعزيز الردع، وتجديد أدوات الحكامة، بات ضرورة ملحّة، للحفاظ على ما تبقى من مصداقية في هذا القطاع الحساس.