جامعة غرف الصيد البحري ترسم ملامح مرحلة جديدة وسط تحديات الاستدامة وتطلعات المهنيين

 

صوت الصحراء

شهد مقر جامعة غرف الصيد البحري بالعاصمة الرباط، يوم الخميس 3 يوليوز 2025، انعقاد الدورة العادية الأولى للجامعة في أجواءٍ وصفت بالهادئة والمسؤولة، حيث التقت مختلف مكونات الجسم المهني البحري على طاولة واحدة لمناقشة حاضر ومستقبل قطاع يعيش على إيقاع تحولات متسارعة وتحديات متشابكة، تتطلب أكثر من أي وقت مضى توافقًا حقيقيًا حول السبل الكفيلة بتعزيز مكتسباته وضمان استدامته.

في هذا السياق، عبّر الحاضرون عن ارتياحهم للنقاش الجاد الذي ميز الاجتماع، الذي ترأسه العربي مهيدي، رئيس الجامعة، والذي لم يُخفِ منذ افتتاح اللقاء ما يحمله من رهانات، وما يستلزمه من تعبئة جماعية واستحضار لرؤية استراتيجية واضحة، خاصة في ظل تعقّد السياق البيئي والاقتصادي، وتنامي الضغوط المرتبطة بالصيد غير القانوني واستنزاف الموارد.

الاجتماع شكل فرصة لمناقشة مواضيع ترتبط بإعادة هيكلة قطاع الصيد التقليدي، والتحديات المرتبطة بسوق السردين، وانعكاسات التلوث البحري، وكذا نتائج المؤتمر الدولي الأخير لحماية المحيطات. غير أن ما طبع اللقاء أكثر من محاوره، هو روح التفاعل الجماعي التي سادت بين ممثلي الغرف، والميل الواضح نحو اعتماد مقاربة تشاركية تنطلق من أرضية وطنية صلبة، قوامها حماية الثروات البحرية وتحقيق العدالة المجالية لمجتمعات الساحل التي تعيش على إيقاع البحر.

الكلمة التي ألقاها رئيس الجامعة لم تخرج عن هذا الإطار، حيث دعا فيها إلى إرساء أسس حكامة جديدة للقطاع، تقوم على التوازن بين الاستغلال المعقلن والتدبير البيئي الرشيد، مع ضرورة تقوية أدوات الرقابة القانونية واللوجستية، لمواجهة الممارسات المضرة التي تنخر المنظومة البحرية. وشدد على أن الحفاظ على رأس المال الطبيعي للبحر لم يعد خيارًا، بل أصبح شرطًا وجوديًا لاستمرار النشاط البحري وتأمين فرص الشغل في المدن والمراكز الساحلية.

ولم يفت رئيس الجامعة التذكير بمكانة القطاع في النسيج الاقتصادي المغربي، وبدوره في ضمان الأمن الغذائي الوطني، مؤكدا على ضرورة تعزيز البحث العلمي في هذا المجال، واستثمار نتائجه من أجل توجيه السياسات العمومية نحو تدبير أكثر واقعية، وأكثر قدرة على استشراف التحولات الدولية والإقليمية. كما دعا إلى دعم التكوين المهني البحري، ومواكبة البحارة في الانتقال إلى ممارسات صديقة للبيئة، وإدماج البعد البيئي في البرامج والمخططات القطاعية.

وفي سياق انخراط المغرب الفعلي في الديناميات الدولية الرامية إلى حكامة مستدامة للمحيطات، تم التوقف عند أهمية المشاركة المغربية في المؤتمرات العالمية ذات الصلة، والتأكيد على التزامات المملكة اتجاه المنتظم الدولي، خاصة في مجال محاربة الصيد غير القانوني، الذي بات يُنظر إليه كأحد أبرز التهديدات للسلم البيئي والاقتصادي في السواحل الإفريقية.

إن انعقاد هذه الدورة في سياق وطني ودولي خاص، يعكس الرغبة في إعادة ترتيب الأولويات داخل قطاع استراتيجي يساهم في تحسين معيشة الملايين من المواطنين، ويشكل رافعة حقيقية للاقتصاد الأزرق. كما أن التوصيات التي خرج بها الاجتماع، وإن لم يُفصح عنها بالتفصيل، تشير إلى التوجه نحو تحصين القطاع بمزيد من التشريعات والتنظيمات التي تُراعي التحديات الجديدة، وتُمهّد الطريق أمام مرحلة جديدة من التنسيق المؤسساتي والميداني، برؤية توازن بين الضرورات البيئية والرهانات الاقتصادية والاجتماعية.

ومع ختام هذه الدورة، يبقى الترقب قائمًا حول مدى فعالية التوصيات، ومدى سرعة تنزيلها على أرض الواقع، في وقت لم يعد فيه تأجيل الإصلاح ممكنًا، ولا التغاضي عن الاختلالات مقبولًا. فالرهان لم يعد فقط على حماية الثروة السمكية، بل أيضًا على حماية الإنسان الذي يعيش منها، والمجالات التي تنبض بالحياة من خلالها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد