جدل يتصاعد حول مشروع القانون 25-26 لإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة

 

يشهد المشهد الإعلامي والحقوقي في المغرب منذ أسابيع حالة من الغليان على خلفية مشروع القانون رقم 25-26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، وهو المشروع الذي ترى فيه النقابات المهنية للصحفيين وهيئات ناشري الصحف “تهديدا مباشرا لمبدأ التنظيم الذاتي للقطاع” و”محاولة لإفراغ المؤسسة من فلسفتها الديمقراطية”.

في إطار النقاشات الدائرة حول المشروع، استجابت النقابات والهيئات المهنية لدعوة المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يوم الخميس 4 شتنبر 2025، في سياق إعداد هذا الأخير لرأي استشاري بطلب من مجلس النواب. اللقاء، الذي امتد يوما كاملا، شكل فرصة لعرض وجهات النظر المهنية والقانونية بشأن مخاطر المشروع، خاصة فيما يتعلق بتأثيره على استقلالية الصحافة وضمان حرية التعبير المنصوص عليها دستوريا.

رغم دعوات التريث وتوسيع دائرة النقاش، برمج الوزير الوصي على القطاع تقديم المشروع أمام مجلس المستشارين يوم الاثنين 8 شتنبر 2025، وهو ما اعتبرته النقابات المهنية “تسرعا مقصودا” يرمي إلى فرض القانون دون انتظار الرأي الاستشاري للهيئات الدستورية. ويرى متابعون أن هذه الخطوة تكشف عن “مقاربة فوقية” في التعاطي مع ملف حساس، كان من المفترض أن يُبنى على التوافق والشراكة مع الجسم الصحفي.

الهيئات المهنية والحقوقية المجتمعة شددت على رفضها الصارم للمشروع بعد المصادقة عليه بسرعة قياسية بمجلس النواب، معتبرة أن نصوصه تكرس “إقصاءً ممنهجا” وتفتح الباب أمام هيمنة سياسية واقتصادية ضيقة على حساب استقلالية الصحافة. كما أكدت أن إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة وفق هذه الصيغة، قد يحوله من آلية للتنظيم الذاتي إلى جهاز إداري خاضع لوصاية السلطة التنفيذية، وهو ما يتناقض مع روح الدستور المغربي لسنة 2011 الذي نص صراحة على ضرورة حماية حرية الصحافة وتحصينها من كل أشكال التحكم.

ويرى خبراء إعلام أن هذا النقاش يتجاوز حدود الجانب القانوني ليطرح سؤالا أوسع حول واقع حرية الصحافة بالمغرب. فالمجلس الوطني للصحافة، منذ تأسيسه سنة 2018، كان ينظر إليه باعتباره خطوة أساسية نحو تعزيز التنظيم الذاتي وتكريس المهنية والأخلاقيات. غير أن مشروع القانون الجديد – بحسب منتقديه – يهدد بتقويض هذه المكتسبات والعودة إلى منطق الوصاية.

في مقابل هذا الوضع، تؤكد النقابات المهنية والهيئات المدنية استمرارها في الترافع أمام البرلمان والحكومة، مع التلويح بخوض أشكال احتجاجية سلمية سيتم الإعلان عنها قريبا. وتدعو هذه الأطراف كافة الصحفيين والفاعلين الحقوقيين إلى توحيد الصفوف في مواجهة ما تعتبره “تراجعا خطيرا عن استقلالية الصحافة وحق المجتمع في إعلام حر ومسؤول”.

الجدير بالذكر أن هذا الجدل يأتي في ظرفية تتزايد فيها الضغوط على الصحافة المغربية، سواء من حيث التحديات الاقتصادية التي تهدد استمرارية مؤسسات إعلامية عديدة، أو من حيث التوترات المرتبطة بحرية التعبير والممارسات المهنية. ويخشى متتبعون أن يؤدي تمرير مشروع القانون بصيغته الحالية إلى تعميق أزمة الثقة بين الدولة ومكونات الجسم الصحفي، وإلى تراجع صورة المغرب في المؤشرات الدولية المتعلقة بحرية الإعلام.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد