حادثة سفينة RSW تعيد الجدل حول السيادة البحرية… والجامعة الوطنية للصيد البحري تطالب بإصلاح عاجل

 

صوت الصحراء

لم تكن حادثة إلقاء أطنان من أسماك الكوربين والدوراد من على متن سفينة “RSW” في عرض البحر مجرد خطأ مهني أو حادث عرضي يمكن تجاوزه بالصمت. لقد كانت صفعة أيقظت الضمير البحري للمغاربة، وكشفت عن ثغرات عميقة في طريقة إدارة ثرواتنا البحرية، وعن مفارقة مؤلمة مفادها أن البحر لنا، لكن دفته أحيانًا في يد غيرنا.

عبد الحليم صديقي، الكاتب العام للجامعة الوطنية للصيد البحري، رفع الصوت عاليًا، معلنًا أن الوقت قد حان لوضع حد لهذه الفوضى، وتسريع مغربة أطقم السفن حتى تعود القيادة الفعلية لربابنة مغاربة، لا مجرد توقيعاتهم على الورق. فالمغرب، الذي يملك اليوم جيلاً من الأطر البحرية المؤهلة، لا يحتاج إلى من يقوده في مياهه، بل يحتاج إلى من يثق في كفاءته ويمنحه حق القرار فوق أمواجه.

الحادثة أعادت فتح ملف الصيد العرضي وما يترتب عليه من هدر للثروة السمكية، حين تُلقى كميات هائلة من المصطادات في البحر لتتحول إلى جثث بلا قيمة، بينما كان يمكن أن تكون غذاءً أو مصدر دخل أو فرصة عمل. وهي ممارسات لا تهدد البيئة البحرية فحسب، بل تضرب في عمق الاستثمار وتغذي السوق السوداء، ما يجعل الحاجة إلى قوانين صارمة واضحة ومُلزِمة أمرًا لا يقبل التأجيل.

وفي قلب هذا النقاش يبرز البعد السيادي للقضية، إذ يرى صديقي أن كل سفينة ترفع العلم المغربي ليست مجرد وسيلة نقل، بل قطعة عائمة من التراب الوطني، والسيادة عليها حق غير قابل للتفريط. فكما لا نسلم حدودنا البرية أو سماءنا لقيادة أجنبية، لا يجوز أن نترك أعالي بحارنا رهينة قرار من لا يحمل هويتنا.

القضية لا تتعلق فقط بمن يقود السفن، بل أيضًا بمن يضع السياسات التي تنظم القطاع. تغييب ممثلي رجال البحر عن المجالس الإدارية للمؤسسات الاستراتيجية يفرغ القرارات من روحها الواقعية، ويجعلها غريبة عن الميدان. لذلك، فإن إشراكهم في صياغة هذه القرارات هو شرط أساسي لإصلاح حقيقي يلامس الأرض والبحر معًا.

إن البحر بالنسبة للمغرب ليس مجرد مصدر للرزق أو التجارة، بل هو شريان حياة ومجال سيادة ورمز لامتداد الوطن. الدفاع عنه يبدأ بتثبيت كفاءاتنا في مواقع القيادة، وتطوير تشريعاتنا لحماية بيئته، وتعزيز الشفافية في تدبير مصطاداته. الحادثة التي فجّرت الجدل اليوم قد تتحول غدًا إلى نقطة تحول، إذا ما رافقها وعي وطني وإرادة سياسية وتشريعية تجعل من البحر مستقبلًا مزدهرًا، لا ساحة مفتوحة للفوضى.

واليوم، ونحن على أعتاب مرحلة جديدة من تاريخ اقتصادنا البحري، يبقى السؤال معلقًا في أذهان كل مغربي: هل سنسمح لثروتنا أن تُهدر في أعماق البحر بلا حسيب، أم سنمسك نحن بدفة السفينة، لنبحر نحو سيادة كاملة على مياهنا، ونترك للأجيال القادمة إرثًا من البحر، لا ذكرى من الإهمال؟ إن الجواب ليس خيارًا سياسيًا فحسب، بل امتحان لكرامتنا الوطنية، وموعد مع التاريخ.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد