خطري ولد الجماني.. زعيم بصوت الوحدة وموقف رجل في مفترق التاريخ

 

صوت الصحراء

في زمن التوترات الكبرى ومفترقات المصير التي عرفتها الصحراء إبان فترة انسحاب الاستعمار الإسباني منتصف السبعينات، برز اسم خطري ولد سعيد الجماني كأحد أبرز الشخصيات التي لعبت أدواراً محورية في تشكيل ملامح التحول السياسي الذي شهدته الأقاليم الجنوبية، جامعاً بين الحنكة السياسية والقدرة على التعبير الجهوري عن خيار الانتماء .

حظي الراحل بثقل وازن في مناطق وادي الذهب والعيون والسمارة، وعُرف بذكائه السياسي وقدرته على استيعاب التحولات الإقليمية، وهو ما جعله محل اهتمام الاستعمار الإسباني قبل أن يتحول إلى أحد رموز البيعة الشرعية للعرش العلوي، في لحظة مفصلية من تاريخ المنطقة.

كان خطري ولد الجماني عضواً بارزاً في “الجماعة”، وهي الهيئة التمثيلية التي أنشأتها سلطات الاستعمار الإسباني لتقديم واجهة من التمثيل المحلي، لكنها كانت أيضاً مجالاً للمناورة السياسية التي استغلها من أجل الدفع نحو مسار يحفظ للسكان كرامتهم وهويتهم. وعندما بدأت إسبانيا تتهيأ للانسحاب، كان من بين الأوائل الذين دعوا صراحة إلى ضرورة عودة الصحراء إلى السيادة المغربية، موقفٌ اتخذه بشجاعة في وقت كانت فيه الأصوات منقسمة والضغوط الإقليمية شديدة.

 

في العام 1975، ومع قرب توقيع اتفاق مدريد الثلاثي، شكلت مواقفه دعماً دبلوماسياً قوياً للمغرب في المحافل الدولية، حيث عبّر بوضوح عن رفضه لانفصال الصحراء، مؤكداً في خطبه ومواقفه أن المغرب هو الامتداد الطبيعي والتاريخي لأقاليمه الجنوبية. وقد قام بزيارة رسمية إلى الرباط، والتقى الملك الحسن الثاني، ليجدد البيعة باسمه وباسم من كان يمثلهم، في خطوة وثّقتها الصحافة الوطنية والدولية حينها.

ولم تكن تلك المواقف لتكسبه رضا الجميع، فقد تعرض لحملات تشويه

لكنها لم تثنه عن السير في المسار الذي اختاره، وظل إلى وفاته واحداً من رموز الوحدة والدعوة إلى الاستقرار داخل المنطقة. كما لعب دوراً في تهدئة النزاعات، وساهم في بناء جسور التفاهم بين الإدارة المغربية والساكنة المحلية

توفي خطري ولد سعيد الجماني في أواخر القرن العشرين، مخلفاً وراءه إرثاً معنوياً ما زالت أصداؤه تتردد في المجالس والندوات، وفي شهادات من عرفوه عن قرب. ويجمع الكثير من المؤرخين المحليين على أن شخصيته كانت أكبر من موقعه التمثيلي، إذ مثّل صوتاً سياسياً متقدماً سبق زمنه في اختياراته ومواقفه.

وفي وقت تتجدد فيه اليوم رهانات التنمية والاستقرار بالصحراء ، تعود سيرته إلى الواجهة كتجسيد لقيم الوفاء والانتماء الوطني، وكتذكير بأن الزعامات الحقيقية هي تلك التي تختار المصلحة العليا للشعوب، لا حسابات الاصطفاف المؤقت.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد