صوت الصحراء : الرباط
في ظل التحولات الاقتصادية والتقلبات المناخية التي تؤثر بشكل مباشر على الأنشطة البحرية، يبرز قطاع الصيد البحري بالمغرب كأحد الركائز الأساسية للأمن الغذائي الوطني، ومورداً حيوياً للاقتصاد المحلي. غير أن أسعار المنتجات السمكية في الأسواق الوطنية ما فتئت تثير الكثير من التساؤلات، خاصة في ظل ما يعتبره البعض ارتفاعاً غير مبرر.
وفي هذا الإطار، أكدت كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، خلال جلسة برلمانية، أن الأسعار النهائية للأسماك تخضع بالأساس لمنطق السوق القائم على العرض والطلب، ولا تُحدد بشكل اعتباطي أو خارج قواعد الاقتصاد الحر. وأشارت إلى أن سلسلة تسعير هذه المنتجات تمر بمراحل متعددة، تتداخل فيها عوامل الإنتاج، وتكاليف النقل، وهوامش الربح، إلى جانب تأثيرات المناخ التي تلعب دوراً أساسياً في تحديد وتيرة عمليات الصيد.
فكلفة الرحلات البحرية، والظروف الجوية، وتوفر الأصناف السمكية، كلها عوامل تحدد مستوى العرض، مما ينعكس بشكل مباشر على الأسعار في أسواق الجملة. أما في مرحلة البيع بالتقسيط، فإن التكاليف اللوجستية، وسلسلة التوزيع، وأرباح الوسطاء، تساهم بدورها في بلورة الأسعار النهائية التي يواجهها المستهلك.
ولتطويق هذه التحديات، وضبط مسار الأسعار، وضمان جودة المنتجات المعروضة، شرعت الوزارة الوصية في سلسلة من الإصلاحات البنيوية التي تستهدف تنظيم حلقات التوزيع وتثبيت أسس الشفافية. ومن أبرز هذه التدابير، إعادة هيكلة مهنة بائع السمك بالجملة، من خلال تقنين المهنة، ومحاربة البيع العشوائي، وتتبع مسار المنتوج من نقطة التفريغ إلى المستهلك النهائي، مع الحرص على احترام المعايير الصحية والرقابية.
وفي سياق دعم السوق المحلي، تعمل الدولة أيضاً على تنويع مصادر العرض، من خلال تشجيع استيراد بعض المنتجات البحرية لسد الخصاص الموسمي ودعم قدرات الوحدات الصناعية، بما يعزز التوازن بين العرض والطلب، ويمنع الاحتكار أو التلاعب.
أما على مستوى البنيات التحتية، فقد شهد القطاع طفرة نوعية، تمثلت في إنشاء وتحديث شبكة من الأسواق المجهزة لبيع السمك بالجملة. إذ بات المغرب يتوفر على 70 سوقاً للبيع الأولي بالجملة، منها 14 سوقاً حديثة التجهيز أنجزت باستثمارات بلغت 635 مليون درهم. كما يتم حالياً إنجاز سوقين جديدين في كل من فاس والناظور، بكلفة تناهز 655 مليون درهم، في إطار رؤية استراتيجية تروم تقريب مراكز التوزيع من التجمعات السكانية الكبرى.
ولتعزيز الشفافية، تم اعتماد الرقمنة في المزادات العلنية داخل 44 سوقاً، ما أتاح تتبع العمليات التجارية بشكل دقيق، والحد من التلاعبات. كما تم رفع عدد وحدات التخزين المعتمدة من 54 إلى 90 وحدة، لضمان سلامة المنتجات وملاءمتها لشروط الصحة والسلامة. وتشمل الإصلاحات الجارية أيضاً مشروع إنشاء 7 أسواق للقرب بالتقسيط بعدد من الأقاليم، بشراكة مع الجماعات المحلية، بهدف تحسين العرض وتقريب الخدمة من المواطن.
ورغم التأثيرات المناخية العالمية، لاسيما ارتفاع درجات حرارة المحيطات وظاهرة النينيو، تمكن المغرب من الحفاظ على مستوى إنتاج مستقر من الثروة السمكية. حيث بلغت الكميات المفرغة سنة 2024 نحو 1.42 مليون طن، مسجلة نمواً سنوياً بمعدل 1.6% منذ 2010. وهو ما يعكس، حسب كاتبة الدولة، نجاعة استراتيجية “أليوتيس” التي تضع ضمن أولوياتها تنمية الثروة البحرية، وتحقيق الأمن الغذائي، وتعزيز السيادة الغذائية الوطنية.