صوتك أمانة.. لا تَبِع ضميرك

صوت الصحراء القسم السياسي

في كل موسم انتخابي، ترتفع الأصوات، وتكثر الوعود، وتنتشر الصور، وتشتد المنافسة، حتى يكاد البعض ينسى أن الانتخابات في جوهرها ليست معركة بين أبناء المجتمع، وإنما وسيلة لاختيار من سيتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام وخدمة المواطنين.

ومن المؤسف أن تتحول المنافسة السياسية أحيانًا إلى خصومات شخصية، وأن يدخل المواطن في صراعات من أجل مرشح، بينما قد يكون المرشحون أنفسهم أول من يتصافح ويتبادل التحية بعد انتهاء المنافسة. فالانتخابات تنتهي، والنتائج تعلن، والمواقع تتغير، أما العلاقات بين الناس فقد تتأثر لسنوات إذا غلب التعصب على الحكمة.

ولهذا، فإن المواطن الواعي لا يجعل من الانتخابات سببًا للعداوة، ولا يسمح لأي مرشح أو جهة سياسية بأن تدفعه إلى الإساءة إلى أخيه أو جاره أو صديقه. الاختلاف في الاختيار حق، أما تحويل الاختلاف إلى خصومة فليس من السياسة في شيء.

والأهم من ذلك كله أن يتذكر الناخب أن صوته ليس مجرد ورقة توضع في صندوق، وإنما مسؤولية وقرار وشهادة على من يراه أهلًا لتحمل الأمانة. فلا ينبغي أن يباع الصوت بالمال، ولا أن يُشترى بوعد مؤقت، ولا أن يُستغل فقر المواطن أو حاجته من أجل الوصول إلى المنصب.

ومن يشتري صوت المواطن، بأي وسيلة كانت، لا يشتري ورقة فقط، بل يفتح الباب أمام علاقة مختلة بين المسؤول والمواطن؛ علاقة يصبح فيها المال طريقًا إلى القرار، وتصبح المصلحة الخاصة مقدمة على المصلحة العامة.

وفي المقابل، على المواطن أن يسأل نفسه بصدق: ماذا أريد من ممثلي؟ وهل أريد شخصًا يزورني أيام الحملة الانتخابية، يلتقط الصور، ويطلق الوعود، ثم يختفي بعد إعلان النتائج؟ أم أريد من يعرف أن المسؤولية خدمة مستمرة، وأن المواطن لا يحتاج إلى من يصفق له، بل إلى من يدافع عن مصالحه ويحترم القانون ويصون المال العام؟

إن المهرجانات الانتخابية والخطابات الحماسية والصور الكثيرة لا يمكن أن تكون وحدها معيارًا للحكم على المرشح. فالسياسة ليست صورة جميلة، ولا خطابًا مؤثرًا، ولا لونًا انتخابيًا يتغير من مرحلة إلى أخرى. السياسة أخلاق قبل أن تكون شعارات، وعمل قبل أن تكون وعودًا، ومسؤولية قبل أن تكون امتيازًا.

وعلى المرشح بدوره أن يتذكر أن الوصول إلى المسؤولية قد يكون بأصوات المواطنين، لكن النجاح الحقيقي يبدأ بعد الوصول إليها. هناك، حيث تختفي أضواء الحملة، تبدأ مرحلة الاختبار الحقيقي: هل سيفي بوعده؟ هل سيحترم المال العام؟ هل سيخدم الجميع دون تمييز؟ وهل سيضع المصلحة العامة فوق مصلحته ومصلحة المقربين منه؟

لقد جعل الإسلام الأمانة شأنًا عظيمًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”، وهي قاعدة عظيمة تضع المسؤولية في مكانها الصحيح: من تولى شأنًا من شؤون الناس أصبح مسؤولًا عنه أمام الله وأمام الناس.

أما المال العام، فليس غنيمة انتخابية، ولا ملكًا للمسؤول، ولا موردًا للمصالح الشخصية. إنه مال المواطنين وحق الأجيال، ومن يتصرف فيه بغير حق فعليه أن يتذكر أن الحساب لا يتوقف عند حدود الدنيا.

قال تعالى: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.

وهنا تظهر قيمة الضمير؛ فالرقابة الحقيقية ليست فقط كاميرات أو قوانين أو أجهزة تفتيش، وإنما ضمير حي يخاف الله ويحترم الناس ويعرف أن المنصب مهما طال فهو زائل، وأن المال مهما كثر لا يصاحبه الإنسان إلى قبره.

ومن هنا، فإن الناخب الذي يبيع صوته لا يضر نفسه فقط، بل يساهم، ولو من حيث لا يشعر، في إفساد العملية الانتخابية. والمرشح الذي يشتري الأصوات لا ينبغي أن يتوقع أن يكون شراء الولاء طريقًا إلى خدمة الصالح العام.

إن الحكمة تقول: من باع ضميره بثمن، فقد جعل ثمنه أقل من قيمته.
وحكمة أخرى تقول: المناصب تتغير، والأسماء تتبدل، لكن أثر الأمانة والخيانة يبقى.

لذلك، لا تجعلوا الانتخابات سببًا للخصام، ولا تجعلوا المال معيارًا للاختيار، ولا تجعلوا الصورة والخطاب يغطيان على الحقيقة. اختاروا من ترونه أهلًا للثقة والكفاءة والنزاهة، ثم حاسبوه بعد ذلك على ما قدمه، لأن المواطن لا تنتهي مسؤوليته بمجرد وضع ورقته في الصندوق.

وفي النهاية، سيذهب المرشحون إلى بيوتهم، وستنتهي المهرجانات، وستُطوى اللافتات، وستختفي الصور من الشوارع، لكن السؤال الذي سيبقى هو: ماذا قدمنا لمجتمعنا؟ وماذا اخترنا؟ وهل حافظنا على أمانة أصواتنا؟

فالانتخابات يوم، لكن آثار الاختيار قد تمتد لسنوات.

صوتك أمانة، فلا تبعه. وضميرك أغلى من أي مقابل. ومن أراد أن يخدم الناس فليدخل باب المسؤولية بيد نظيفة وقلب نظيف وضمير لا يُشترى.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد