عمر أزوكار يؤطر لقاءً علمياً حول تنظيم المحاكم والاختصاصات القضائية لفائدة المحامين المتمرنين بالدار البيضاء
في أجواء علمية وحقوقية متميزة، احتضنت قاعة الندوات بدار المحامي بالدار البيضاء، بعد زوال يوم الإثنين 30 يونيو 2025، لقاءً تكوينياً استثنائياً أطره الدكتور عمر أزوكار، المحامي الممارس في هيئات أكادير وباريس ومونتريال، لفائدة المحاميات والمحامين المتمرنين، في إطار برنامج التكوين المهني الذي تشرف عليه هيئة المحامين بالدار البيضاء.
اللقاء الذي شهد مشاركة أكثر من 350 من المحامين الشباب، تحوّل إلى ورشة معرفية مفتوحة، تناولت بالتحليل والنقاش قضايا محورية في التنظيم القضائي المغربي، والإشكالات المرتبطة بالاختصاصات النوعية والولائية، وذلك من منظور نظري وتطبيقي جمع بين التشريع والاجتهاد.
بنية المحاكم والاختصاص النوعي: إضاءات على مفاصل النظام القضائي
استهل الدكتور أزوكار عرضه بتوضيح الفروقات البنيوية بين المحاكم الابتدائية العادية وتلك التي تتوفر على أقسام متخصصة، مشدداً على أن هذا التمييز لا يقتصر على الشكل التنظيمي، بل يمتد إلى جوهر توزيع الاختصاصات. وقدّم أمثلة عن الأقسام التجارية والإدارية والأسرية، مؤكداً أن اختصاص كل منها مقيد بالنصوص القانونية المؤطرة، ما يفرض على المحامي الدراية الدقيقة بمواقع الاختصاص لتفادي الأخطاء الإجرائية.
عندما تتقاطع الاستثناءات مع القواعد العامة
توقف المؤطر عند الإشكالات التي تطرحها بعض النصوص الخاصة، التي تسمح للمحكمة الابتدائية ذات الولاية العامة بالنظر في قضايا تدخل ضمن مجال المحاكم المتخصصة، خاصة عندما يكون هناك فراغ أو غموض تشريعي. هذه الاستثناءات، حسب المحاضر، تضع المحامي أمام مسؤولية تكييف النزاع بشكل دقيق لتحديد الجهة القضائية المختصة.
الأدوار المختلفة لرؤساء الأقسام: من النظر الولائي إلى البت الاستعجالي
في مقطع آخر من الندوة، تناول الأستاذ أزوكار التنظيم الداخلي للمحاكم، مبيناً أن رئيس المحكمة لا يحتكر وحده ممارسة السلطة القضائية في القضايا الولائية والاستعجالية، بل يتقاسمها مع رؤساء الأقسام، كل في نطاق تخصصه. واستعرض حالات عملية لتوضيح ذلك، من بينها أن الحجز التحفظي المتعلق بديْن تجاري لا يدخل ضمن صلاحيات رئيس المحكمة، بل هو من اختصاص رئيس القسم التجاري.
محكمة الاستئناف: النسخة الثانية من التنظيم
وفي محور مكمل، تطرق المحاضر إلى محاكم الاستئناف التي تعتمد نفس التقسيم إلى أقسام متخصصة، حيث يتم توزيع القضايا حسب طبيعتها بين الرئيس الأول ورؤساء الأقسام، ما يُبقي على نفس منطق توزيع الصلاحيات الذي يُعتمد أمام المحاكم الابتدائية.
قيمة النزاع تحدد الجهة المختصة
ومن الإشكالات التي عرضها الأستاذ أزوكار، تلك المتعلقة بالقضايا التجارية التي تُحال على المحكمة الابتدائية العادية بدل المحاكم التجارية، عندما تكون القيمة المالية للنزاع دون الحد الأدنى القانوني. واعتبر أن هذا “الاختصاص المقيد بالقيمة” يجب أن يكون ضمن بديهيات المحامي الممارس.
الأحكام النهائية ومسارات الطعن الممكنة
في سياق حديثه عن الممارسة القضائية، عالج المحاضر مسألة الأحكام الابتدائية التي تصدر بصفة انتهائية، مشيراً إلى أنها تقبل التعرض إذا كانت غيابية، وتُغلق أمام جميع وسائل الطعن إذا كانت حضورية. لكنه نبه إلى إمكانية فتح مسطرة إلغاء خاصة أمام رئيس المحكمة، في حال شاب الحكم خرق قانوني بيّن.
الحجز التحفظي بين مرونة النص وتشدّد الاجتهاد
واختتم الدكتور عمر أزوكار مداخلته بإثارة الإشكالات العملية المرتبطة بالحجز التحفظي، مشيراً إلى تباين توجهات المحاكم، خاصة في ما يتعلق بضرورة رفع دعوى أصلية لقبول الطلب. ولفت إلى أن مشروع تعديل قانون المسطرة المدنية يسير في اتجاه تقييد هذا النوع من الإجراءات، انسجاماً مع توجه قضائي متشدد بدأ يفرض منطقه.
لحظة تكوين حقيقية
تميز اللقاء ليس فقط بمضمون عرضه العلمي، بل أيضاً بالحيوية التي طبعت النقاش بين المحاضر والمشاركين، حيث تفاعل المتمرنون بأسئلتهم وإشكالاتهم الواقعية، ما منح للندوة طابعاً عملياً مهنياً بامتياز. وقد أجمع الحاضرون على أن هذا اللقاء أضاف لبنة أساسية لمسارهم المهني، وعمق فهمهم للمساطر والإجراءات، في سياق قانوني وقضائي يعرف تحولات متسارعة.


