في لحظة صمت ثقيلة، غاص مركب الصيد الساحلي “عباد الله” في قاع الحوض المينائي لأكادير، صباح الخميس 24 يوليوز 2025، في واقعة لم تكن مفاجئة لمن يعرف واقع الموانئ المغربية من الداخل، بل كانت مجرد نتيجة متوقعة لسنوات من الإهمال والتراخي في تدبير ملف الوحدات البحرية المتوقفة عن العمل.
المركب المنكوب لم يكن يمارس أي نشاط منذ مدة طويلة، حيث ظل راسيًا في الحوض الداخلي دون حراك، في حالة تشي بالوهن والتقادم. ومع أن محاولات الإنقاذ التي باشرتها قبطانية الميناء والوقاية المدنية جاءت سريعة ومكثفة، إلا أن الأوان كان قد فات، لينضم “عباد الله” إلى لائحة طويلة من المراكب التي غرقت في صمت، دون أن تثير أكثر من أسف عابر.
لكن خلف هذا الغرق قصة أعمق وأخطر، تتعلق بظاهرة المراكب المهجورة أو المتخلى عنها داخل الموانئ، والتي تحولت إلى قنابل بيئية وملاحية موقوتة. هذه السفن، التي تتراكم بفعل صعوبات اقتصادية أو خلافات قانونية بين المجهزين والسلطات، تتحول مع الوقت إلى هياكل صدئة تطفو على سطح الإهمال، دون رعاية أو مراقبة، إلى أن يأتي يوم وتغوص.
وما حدث في ميناء أكادير، يعيد النقاش حول مدى نجاعة آليات المراقبة البيئية والمينائية، ودور الشرطة المينائية التي يفترض أن ترصد مثل هذه الحالات مبكرًا وتتدخل بشكل استباقي. فالخطر لا يهدد فقط البنية التحتية للموانئ، بل يشمل سلامة البحارة، واستمرارية الأنشطة التجارية والصناعية المرتبطة بها.
في المقابل، تتحرك الوكالة الوطنية للموانئ بخطى بطيئة ولكن واثقة، حيث أطلقت مؤخرًا عبر إدارتها الجهوية بأكادير، صفقة بقيمة تقارب 2 مليون درهم، تروم انتشال ثلاث وحدات بحرية غارقة بالقرب من رصيف النفط القديم. يتعلق الأمر بقارب ترفيهي يدعى “ريتاج”، ومركبي صيد ساحلي بالخيط هما “سان ميشيل 2” و”الريان”، المصنوعين من الخشب ويصل طولهما إلى حوالي 20 مترًا.
وتنص بنود هذه الصفقة على تعويم المراكب الغارقة، ورفعها إلى الرصيف الجاف، ثم نقلها إلى مواقع ستحددها مصالح الوكالة، مع تنظيف شامل للمنطقة البحرية المتضررة، في أجل لا يتجاوز ستة أشهر، وفقًا لمعايير السلامة البيئية المعتمدة في تدبير الموانئ.
لكن هذه الخطوة، على أهميتها، تظل علاجًا لنتائج المشكلة وليس جذورها. فالمطلوب اليوم، هو رؤية وطنية واضحة، تُنظّم وضعية المراكب المتوقفة عن العمل، وتُلزم المجهزين بتحمل مسؤولياتهم كاملة تجاه الوحدات التي يمتلكونها، سواء بالإصلاح أو بسحبها من الحوض.
كما أن الأمر يستدعي تقنين مساطر نزع الملكية أو الإزالة القسرية للسفن المتخلى عنها، وتوفير غطاء قانوني يسمح بالتدخل السريع قبل وقوع الكارثة، لا بعدها.
فالموانئ ليست فقط بوابات بحرية، بل هي رئات اقتصادية وبيئية، تستحق أن تُحمى من الإهمال والتقادم، تمامًا كما تُحمى السفن من الغرق.