صوت الصحراء
في خضم موجة متصاعدة من الخطاب الإعلامي الانفعالي، يلاحظ متابعون للشأن الصحفي تزايد حالات التحامل الشخصي وتحوّل بعض المنابر إلى ساحات لتصفية الحسابات، لا منصات للتنوير أو النقاش الرصين. مظاهر التهكم والسخرية باتت تطغى على ما يُفترض أن يكون نقداً موضوعياً بنّاءً، في مشهد يثير القلق حول مستقبل الصحافة وموقعها من أخلاقيات المهنة.
ففي الوقت الذي يشتد فيه الضغط الاجتماعي على الفاعلين في الواجهة، من سياسيين وفنانين وناشطين، تجد بعض الأقلام في الهجوم الشخصي فرصة لاستقطاب الانتباه وجمع التفاعلات، ولو على حساب الذوق العام أو الموضوعية. الصحافة التي يفترض أن تراقب وتحلل وتساءل بوعي ومسؤولية، تجد نفسها أحياناً متورطة في نشر خطابات تهين لا تحاسب، وتجرّح دون تقديم بدائل.
ويحذر مختصون في الإعلام من أن هذا الانزياح نحو “الشتم المقنّع” لا يخدم لا حرية التعبير ولا وعي الجمهور، بل يفرغ الممارسة الإعلامية من مضمونها القيمي. فحين يغيب التوازن وتُستبدل الحجة بالشتيمة، تتحول الكلمة إلى أداة تهديم لا بناء، ويضيع الفرق بين النقد والمساس بالكرامة.
وفي هذا السياق، يرى بعض الصحفيين المخضرمين أن تراجع معايير التكوين الإعلامي وغياب هيئات التحرير الصارمة ساهما في انفلات الخطاب، حيث تُنشر عبارات سوقية أو إيحائية تحت غطاء الجرأة، في تغييب واضح لمبدأ “المسؤولية التحريرية” الذي يفترض أن يضبط المحتوى قبل نشره.
كما يشير مراقبون إلى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، التي ساهمت في خلق مناخ من التسرع في النشر والرغبة في الإثارة على حساب العمق والتحليل الرصين. ومع صعود فئة من “الصحفيين المؤثرين”، أصبح كثير من المضامين الإعلامية رهينة لمنطق الترند، حيث تتحكم نسب المشاهدة والتفاعل في شكل الخطاب، لا قيم التحرير والمصداقية.
ويُعد هذا الانحدار خطراً مزدوجاً: فمن جهة يسيء إلى صورة الصحافة كسلطة رابعة يُفترض أن تحمي الحقيقة وتحترم العقول، ومن جهة أخرى يهدد ثقة الجمهور، الذي بات أكثر شكّاً في دوافع ما يُنشر، وأكثر ميلاً للانسحاب من مساحات الحوار العام.
إن صيانة شرف الكلمة ليست رفاهية أخلاقية، بل شرط أساسي لحماية الفضاء الإعلامي من التآكل. وفي هذا المفترق، تصبح العودة إلى قواعد المهنة – من تدقيق وتوازن وتوثيق واحترام للكرامة الإنسانية – ضرورة لا خياراً، خصوصاً في سياق عربي يعيش مخاضات ديمقراطية متعثرة، ويحتاج إلى إعلام مسؤول لا منابر تصفية.
تعليقات الزوار