“ماذا تستفيد جهة الداخلة من عائدات الصيد في أعالي البحار؟ ثروة تُستنزف والجهة خارج المعادلة

 

صوت الصحراء

رغم أن جهة الداخلة – وادي الذهب تُعد من أغنى المناطق الساحلية بثرواتها البحرية، خاصة مخزون الأخطبوط الذي يشكل عماد اقتصاد البحر في الجنوب المغربي، إلا أن هذا الغنى الطبيعي لا ينعكس بشكل عادل على ساكنة الجهة ومهنيي الصيد التقليدي الذين يعيشون من البحر وبحرية.

في المقابل، تُمنح النسبة الكبرى من هذا المخزون الثمين لما يُعرف بـ”الصيد في أعالي البحار”، الذي يهيمن على 63% من الحصة الإجمالية، في حين يُترك للصيد التقليدي، الذي يعتبر أكثر التصاقًا بالواقع المحلي، مجرد 26% فقط من الكعكة السمكية.

لا يحتاج المتابع للمشهد إلى كثير من الجهد كي يلاحظ أن من يتحكمون في مفاصل الصيد في أعالي البحار لا يفكرون إلا بمنطق الربح السريع والوفير، ولو كان ذلك على حساب استدامة الثروة السمكية وحقوق الأجيال القادمة. هذه الممارسات، الموثقة في عدد من الفيديوهات والصور المنتشرة على منصات التواصل الاجتماعي، تكشف حجم التدمير الذي يلحق بالمخزون البحري، من خلال أساليب صيد جائرة وغير انتقائية، تُستنزف فيها الثروة دون اعتبار للبيئة أو القانون.

الأدهى من ذلك، أن هذه الأنشطة لا تُسهم بأي شكل فعلي في الاقتصاد المحلي للجهة، ولا تُحدث أثراً يُذكر على مستوى التنمية الترابية، بحيث لا تستفيد منها الجماعات المحلية، ولا المكتب الوطني للصيد، ولا حتى صناديق الضمان الاجتماعي أو أنظمة السلامة الصحية.

على النقيض من ذلك، يظل الصيد التقليدي نموذجًا للصيد الانتقائي والمستدام، حيث يُمارس على نطاق صغير وبوسائل تحترم البيئة البحرية. كما أنه يُشكل مصدر عيش لأكثر من 25 ألف شخص بشكل مباشر أو غير مباشر في جهة الداخلة وحدها. هذا النمط من الصيد يساهم بشكل ملموس في الدورة الاقتصادية المحلية: يُدر مداخيل مهمة على الجماعات الترابية، ويموّل صناديق الدولة، ويدعم الضمان الاجتماعي، ويُسهم في سلامة المنتوج البحري بفضل تتبعه الدقيق.

الصيد التقليدي ليس مجرد نشاط اقتصادي، بل هو أسلوب عيش، وهو ما تؤكد عليه التقارير الدولية، وعلى رأسها تقارير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، التي تُشيد بدوره المحوري في الأمن الغذائي، ومكافحة الفقر، والحفاظ على البيئة البحرية، وتشجع الحكومات على دعمه وتمكينه من موارد كافية.

لكن، رغم هذه الأهمية الكبرى، لا يزال الصيد التقليدي مهمشًا في مخططات الدولة، التي تواصل اعتماد مخطط تهيئة مصايد الأخطبوط بصيغته لسنة 2004، دون مراجعة حقيقية تواكب التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي عرفتها الجهة، ولا تأخذ بعين الاعتبار الحاجة إلى إنصاف أبناء المنطقة في ثرواتهم.

لسنوات، طالب المهنيون بضرورة مراجعة فورية وشاملة لهذا المخطط، في اتجاه يكرس العدالة المجالية والبيئية، ويعطي الأولوية للمواطنين والمهنيين المحليين الذين لا يملكون سوى البحر كمورد وحيد للعيش.

اليوم، يُعلّق مهنيّو الصيد التقليدي آمالهم على كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، السيدة زكية دريوش، التي توصف في الأوساط المهنية بـ”المرأة الحديدية”، لما عرف عنها من كفاءة وقرب من هموم القطاع. ويُعول عليها الجميع في اتخاذ قرار شجاع بفتح طاولة حوار حقيقي بين مختلف الأساطيل المعنية بمخطط تهيئة مصايد الأخطبوط، بما يضمن صوتًا للجميع، ومخرجًا تشاركيا يُعيد التوازن لهذا القطاع الحيوي.

فالثروة البحرية، نعم، هي ثروة وطنية، لكن لا يمكن أن تظل حكرًا على فئة محدودة تعدّ على رؤوس الأصابع، تستنزفها بلا حسيب ولا رقيب، بينما أبناء الجهة يعيشون التهميش ويُمنعون من الاستفادة من خيرات مياههم.

إن إعادة النظر في توزيع حصص الصيد، والقطع مع منطق الريع والاحتكار، أصبحا ضرورة ملحة لإعادة التوازن لهذا القطاع الحيوي. فبدون عدالة بحرية، لن يكون هناك لا استدامة بيئية، ولا إنصاف اجتماعي، ولا تنمية محلية حقيقية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد