صوت الصحراء
لا يكاد يمر يوم في سواحل الداخلة دون أن يذكّر البحر العاملين فيه بقسوته ومخاطره. فحادث غرق مركب صيد السردين “أبو الهناء” شكّل لحظة عصيبة لطاقمه، قبل أن يجدوا حضناً دافئاً في جمعية البحث وإنقاذ الأرواح البشرية في البحر، التي بادرت إلى استقبالهم وتنظيم لقاء خاص على شرفهم.
هذه المبادرة لم تقتصر على الجانب الرمزي، بل رافقها توزيع مبالغ مالية على البحارة المتضررين، في خطوة هدفت إلى مساعدتهم على استعادة بعض من استقرارهم المادي والنفسي بعد أن فقدوا وثائقهم وأمتعتهم. إنها رسالة قوية مفادها أن التضامن ليس ترفاً اجتماعياً، بل ضرورة حياتية لأبناء البحر الذين يواجهون يومياً المجهول في سبيل كسب الرزق.
اللقاء الذي حضره ممثلون عن مندوبية الصيد البحري، وعدد من الفاعلين المهنيين والربابنة، عكس صورة حقيقية عن وحدة مجتمع البحر. فقد أجمع الحاضرون على أن مثل هذه المبادرات تعيد الاعتبار للعنصر البشري في قطاع الصيد، وتؤكد أن الإنسان يظل القيمة الأسمى قبل أي نشاط اقتصادي.
طاقم “أبو الهناء” عبّر بصدق عن امتنانه لهذه الالتفاتة التي منحتهم دفعة معنوية لمواصلة حياتهم، مؤكداً أن الدعم المعنوي لا يقل أهمية عن أي مساعدة مادية.
وتبرز هذه الواقعة من جديد الدور المتنامي للعمل الجمعوي في مواجهة الأزمات البحرية، حيث لم تعد الجمعيات تكتفي بالتدخلات الميدانية لإنقاذ الأرواح، بل أصبحت تنخرط أيضاً في مواكبة البحارة اجتماعياً ونفسياً. وهو ما ينسجم مع الثقافة المغربية العريقة في التضامن والتكافل، التي تجعل من “رجل البحر” مسؤولية مشتركة بين الجميع.
إن حادث “أبو الهناء” يذكّر بواقع يعيشه الكثير من البحارة على طول السواحل المغربية، ويطرح في الوقت ذاته سؤالاً عميقاً حول تعزيز شروط السلامة البحرية وتطوير آليات الدعم الاجتماعي، حتى لا تبقى هذه المبادرات مجرد ردود فعل بعد وقوع المحن، بل تتحول إلى سياسة مستدامة لحماية الأرواح وتحسين ظروف العاملين في القطاع.