في مسار الكفاح الوطني من أجل استكمال وحدة المغرب الترابية، يبرز اسم المرحوم محمد فاضل السملالي كأحد الوجوه التي طبعت الذاكرة الوطنية بطابع الوفاء والتضحية، حيث جمع بين روح المقاومة وشجاعة الميدان، وبين كفاءة التسيير والمسؤولية الإدارية في مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب الحديث.

منذ انخراطه في جيش التحرير المغربي، ظل السملالي وفيًا لقضية الوطن، مشاركًا في المعارك التي خاضها المغاربة دفاعًا عن الأرض والهوية، ليكون لاحقًا في طليعة من ساهموا عمليًا في استرجاع مدينة الداخلة في غشت سنة 1979، عقب انسحاب القوات الإسبانية وتراجع الوجود الموريتاني.
وقد شارك السملالي ضمن مجموعة وطنية عُرفت باسم “عملية بدر”، وهي تحرّك ميداني حاسم نظّمته السلطات المغربية لاستعادة السيطرة على الداخلة في فترة زمنية قياسية، حيث انتقلت المجموعة عبر مسار دقيق امتد من جزر الكناري إلى العيون وأكادير وصولًا إلى المدينة الصحراوية. وبحسب شهادات معاصرة، كانت العملية دقيقة ومنظمة إلى أبعد حد، وتمت السيطرة على المنشآت الاستراتيجية، وعلى رأسها مطار المدينة، دون وقوع أي اشتباك يُذكر، وهو ما يعكس الحنكة التي اتسم بها عناصر العملية، ومن ضمنهم محمد فاضل السملالي.

وإلى جانب حضوره في الميدان، ساهم السملالي كذلك في الجانب التفاوضي، حيث كان من بين أعضاء الوفد الصحراوي الذي تفاوض مع السلطات الموريتانية من أجل تسليم المدينة بطريقة سلمية، ما أدى إلى إنهاء الوجود الموريتاني دون قتال، وهو إنجاز وطني كبير جنّب المدينة وأهلها مآسي الصدامات المسلحة.
إثر استرجاع الداخلة، تم تعيين محمد فاضل السملالي أول باشا للمدينة، في مرحلة تأسيسية تطلبت الحزم والحكمة والقدرة على التوفيق بين متطلبات الأمن والتنمية والاستقرار. وقد كان الرجل في مستوى الثقة، فأسس قواعد العمل الإداري المحلي، وأسهم في ترسيخ حضور الدولة المغربية بالصحراء، وفق رؤية وحدوية واضحة المعالم.

ولم تغب مكانة هذا الرجل عن أنظار الدولة المغربية، حيث تم تكريمه بعد وفاته بوسام العرش من درجة قائد، وهو أحد أرفع الأوسمة الوطنية، سُلِّم لنجله محمد لمين السملالي في حفل رسمي سنة 2015 بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء. وقد شمل هذا التوشيح عددًا من رموز المقاومة بالصحراء المغربية، ما يكرّس الدور الريادي الذي لعبه السملالي في مرحلة دقيقة من تاريخ الأمة.
لقد جسّد محمد فاضل السملالي النموذج النادر للمقاوم الذي لم يتوقف عطاؤه عند نهاية المعركة، بل استمر في خدمة الوطن من موقع المسؤولية والإدارة، فكان شاهدًا وفاعلًا في مرحلة الانتقال من الكفاح إلى البناء، ومن المقاومة إلى التأسيس، ومن التحرير إلى التنمية.
إن استحضار سيرة هذا الرجل اليوم ليس فقط تكريمًا لذكراه، بل هو أيضًا تذكير للأجيال الجديدة بأن الوحدة الوطنية لم تكن منحة مجانية، بل ثمرة نضال رجال صادقين، أمثال محمد فاضل السملالي، الذين سطّروا بأفعالهم فصولًا من تاريخ المغرب الحديث، وظلوا أوفياء للعهد، إلى آخر رمق.
