محمد نافع… الفارس الذي جاء من البحر

 

لم يكن أحد ينتظر أن يظهر في ساحة التبوريدة. فالذين عرفوه في لا ساركا، أو رأوه ذات صباح رسمي في العيون، أو سمعوا عنه أيام الطانطان، ما كانوا ليتخيلوا هذا المشهد: رجل الإدارة، بهيبته الهادئة، يمتطي جوادًا عربيًا أصيلًا، يشق ساحة بوشان كأنه من فرسان الروايات القديمة.

لم يكن في الأمر ترتيب، ولا دعوة مسبقة، ولا إعلان رسمي. كانت مجرد “علفة خيل”، كما يسميها أهل الجنوب، حملت بعض عشاق التبوريدة من الداخلة إلى سهول الرحامنة، لحضور موسم الطلبة والخيل، في نهاية شهر غشت 2025. هناك، وسط الزغاريد وطلقات البارود، تعرّف الناس على عود “كومري” مميز، قوي البنية، عالي الرأس، يلمع تحت الشمس كأنه يعرف قيمته. سأل أحدهم عن صاحبه، فجاء الجواب مفاجئًا: “هذا عود الدكتور محمد نافع، مندوب الصيد البحري بالعيون”.

الصمت لحظة، ثم ابتسامة.

إذن، للرجل وجه آخر… لا يُرى من وراء المكاتب.

في بوشان، لا تقاس الأمور بالتراتبية الإدارية، بل بما تحمله في قلبك من حب للخيل، وللقرآن، وللموسم. هناك، يتساوى الفارس مع الفقيه، والشيخ مع الطالب، والجميع يجتمع على أرضية واحدة: أرض التراث والذاكرة.

 

موسم الطلبة لم يكن احتفالًا عاديًا. كان موعدًا مع الروح المغربية كما لم تُكتب في المناهج. تبوريدة تتقاطع مع المسابقات القرآنية، ومآدب الكرم تتجاور مع مجالس الذكر، والخيام تفتح أبوابها للضيوف من كل الجهات، من الصحراء إلى الجبال، من سوس إلى السمارة، ومن الداخلة إلى فاس.

وفي خضمّ ذلك، كان الحصان يتقدّم وسط السربة، تحته فارس من نوع خاص. لا يحمل سيفًا ولا لجامًا، بل يحمل ذاكرة رجل يعرف أن القوة أحيانًا لا تكون في السلطة، بل في الانتماء الهادئ إلى الأرض والتقاليد.

هكذا كُشف “الوجه الآخر لمحمد نافع”:

لا تصريحات، لا كاميرات، لا خطابات. فقط خطوات حصان، وبارود يُطلق في السماء، وناس يبتسمون وهم يكتشفون أن بعض المسؤولين لا يعيشون فقط بين الملفات، بل بينهم من ما يزال يُغذّي الجواد… ويرفع العَلم في صمت.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد