صوت الصحراء
في خضم الجدل الواسع الذي اجتاح منصات التواصل الاجتماعي إثر تداول صور ومقاطع تُظهر كميات كبيرة من أسماك الكوربين والدوراد ملقاة في عرض البحر، خرجت الكونفدرالية المغربية لأرباب مراكب ومصانع صيد السمك السطحي بالداخلة (C.O.M.A.I.P) عن صمتها، ووجهت بلاغاً للرأي العام ترد فيه على ما وصفته بـ”حملة تشويه ممنهجة” تستهدف أسطول سفن الصيد من نوع RSW.
الكونفدرالية شددت على أن الاتهامات الموجهة لهذا النمط من الصيد تفتقر إلى الدقة العلمية والمهنية، مشيرة إلى أن سفن RSW تُستخدم على نطاق واسع في كبريات الدول البحرية مثل النرويج، المملكة المتحدة، روسيا، وإيرلندا، إضافة إلى دول آسيوية متقدمة، وكلها تلتزم بأطر قانونية صارمة وتواصل الاستثمار في تطوير هذا النمط لما يتمتع به من مزايا بيئية وتقنية.
وأوضحت الهيئة أن السفن الحديثة مزوّدة بأنظمة سونار وكاميرات عالية الدقة تتيح تحديد نوع وكمية الأسماك قبل الشروع في الصيد، ما يقلّل من احتمالات اصطياد الأنواع المحظورة أو غير المستهدفة. ومع ذلك، أكدت أن القرار النهائي يبقى بيد الربان، مع تحميل المالك المسؤولية القانونية في حال المخالفات، وهو ما ترى الكونفدرالية أنه يفرض إعادة نقاش الإطار التشريعي لتحقيق عدالة أكبر بين الأطراف.
وفي سياق متصل، فرّقت الكونفدرالية بين الشباك السطحية والقاعية، مبرزة أن الأولى لا تمس قاع البحر ولا تضر بالموائل البحرية، بعكس الشباك القاعية التي تُعد أكثر ضرراً بالنظم البيئية، خاصة مع التطور التكنولوجي الحالي الذي يعزز انتقائية المصيد.
على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، ذكّرت الكونفدرالية بدور القطاع كقاطرة تنموية في الأقاليم الجنوبية، حيث يوفر أكثر من 30 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، ويشغل أعلى نسبة من الكفاءات الهندسية والتقنية في قطاع الصيد البحري، كما يساهم في رفع القيمة المضافة للمنتجات البحرية ويعزز مكانة الداخلة كمركز اقتصادي واعد، انسجاماً مع التوجهات الملكية ورؤية الأمم المتحدة للتنمية المستدامة.
خلفية وسياق أوسع للجدل
تأتي هذه الواقعة في وقت يشهد فيه قطاع الصيد البحري بالمغرب، وخاصة في الأقاليم الجنوبية، تحولات كبيرة بفعل السياسات الحكومية الهادفة إلى جعل استغلال الثروات البحرية أكثر استدامة وتنافسية على المستوى الدولي. المغرب يُعد من أبرز الدول الإفريقية في مجال الصيد البحري، وتحتل منتجاته مكانة قوية في الأسواق الأوروبية والآسيوية، إلا أن النقاش حول توازن المعادلة بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة البحرية ظل قائماً منذ سنوات.
على الصعيد الدولي، تواجه أساطيل الصيد في مختلف الدول ضغوطاً متزايدة من منظمات بيئية تطالب بتقليص المصيد العرضي، وتشديد المراقبة على السفن، وضمان احترام مواسم الراحة البيولوجية. نمط الصيد RSW تحديداً، رغم ما يوفره من مزايا في حفظ جودة المصيد وتقليل الهدر، أصبح تحت مجهر الجدل الإعلامي، خصوصاً مع انتشار صور أو مقاطع فيديو تُظهر ممارسات غير مسؤولة، حتى لو كانت حالات فردية.
وفي ظل المنافسة الشرسة على الموارد البحرية، يرى مراقبون أن الحملات الإعلامية التي تستهدف بعض القطاعات البحرية لا يمكن فصلها تماماً عن صراعات المصالح الاقتصادية بين أنماط الصيد المختلفة، أو حتى عن تنافس الشركات داخل السوق الدولية. وهنا، يصبح الرهان بالنسبة للمغرب هو الموازنة بين حماية صورته كفاعل مسؤول في استغلال الموارد البحرية، والحفاظ على حيوية قطاع يوفر آلاف مناصب الشغل ويدعم التنمية المحلية.
وفي لهجة تعكس التحدي، ختمت الكونفدرالية رسالتها بالتأكيد على أن “النجاح لا يجلب الأصدقاء دائماً”، وأن القطاع سيظل عرضة للنقد والاستهداف، إلا أن التزامه بالشفافية والاستدامة سيبقى ركيزة أساسية في مواجهة أي حملات دعائية أو مغالطات إعلامية، مع العمل على تطوير آليات الرقابة والتكوين لضمان استغلال رشيد للثروة البحرية.