موريتانيا أمام اختبار مصيري: تراجع الثروة السمكية يهدد الأمن الغذائي والتنمية الساحلية

 

صوت الصحراء

رغم ما تزخر به الشواطئ الموريتانية من ثروات بحرية صنّفها الخبراء ضمن الأغنى عالميًا، تواجه البلاد اليوم تحديًا متصاعدًا يتمثل في الانخفاض الحاد لمخزونها السمكي، ما يضع مستقبل الاقتصاد الساحلي والغذاء الوطني في مهبّ الريح.

تقرير بثته قناة Euronews الأوروبية حذّر من تدهور مقلق في الثروة السمكية بالبلاد، مشيرًا إلى أن الضغط المتزايد على الأحياء البحرية، وخاصة من قبل أساطيل الصيد الصناعي، ينذر بانهيار تدريجي للموارد التي يعتمد عليها مئات الآلاف من الموريتانيين، سواء في العمل أو الغذاء.

من ميناء نواذيبو، تحدث عدد من الصيادين التقليديين عن التغيّرات الصادمة التي طالت بيئتهم اليومية. الصياد موسى تاو، الذي أمضى حياته في البحر منذ نعومة أظفاره، وصف الوضع قائلاً: “نضطر للإبحار لمسافات أطول من أي وقت مضى، نستهلك كميات كبيرة من الوقود، ومع ذلك تعود القوارب بأرباح أقل. نخشى أن يكون البحر قد بدأ يفرغ بالفعل من أسماكه.”

ليست هذه مجرد شهادات فردية، بل هي انعكاس حاد لتأثيرات الصيد الجائر، وخاصة الذي تقوم به سفن أجنبية مخصصة لتزويد مصانع دقيق السمك. هذه المصانع لا تستهلك السمك محليًا، بل تحوّله إلى منتجات للتصدير، ما يهدد الأمن الغذائي لبلد يعتمد فيه المواطنون بشكل كبير على الأسماك كمصدر للبروتين الحيواني.

ردًا على تنامي هذه التهديدات، أعلنت وزارة الصيد والاقتصاد البحري عن اتخاذ سلسلة من التدابير، شملت تقليص عدد السفن الصناعية من أكثر من 70 إلى أقل من 15 سفينة، وإغلاق عدد من مصانع دقيق السمك التي لا تلتزم بالمعايير، مع توجيه أخرى إلى اعتماد أساليب تبريد تسمح بتوفير الأسماك للاستهلاك البشري المحلي.

الأمين العام للوزارة، سيدي علي سيدي بوبكر، شدد على أن الاستثمارات الأجنبية مرحب بها، ولكن ضمن شروط تحمي الثروة البحرية وتمنع تحويل قوت المواطنين إلى سلعة للتصدير فقط.

بعيدًا عن السواحل، ولكن في صميم المشكلة، يقع اتفاق الشراكة من أجل صيد مستدام بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي. هذا الاتفاق، الذي يدرّ على البلاد مبلغًا سنويًا يناهز 57 مليون يورو، يسمح لسفن أوروبية بالصيد ضمن حدود المياه الموريتانية، مقابل التزام بشروط بيئية واقتصادية متفق عليها.

وفي هذا السياق، أكد سفير الاتحاد الأوروبي في نواكشوط، جواكين تاسو فيلالونغا، أن الاتفاق لا يقتصر على منح التراخيص، بل يشمل دعمًا تقنيًا ومؤسسيًا لمساعدة موريتانيا على إدارة مواردها البحرية بكفاءة.

الاتفاق يتكامل مع خطة علمية وطنية وضعتها السلطات سنة 2022، تشمل تنظيم فترات التوقف البيولوجي، وتحديد مناطق بحرية محمية، وضبط حصص الصيد، وتنظيم إنتاج دقيق السمك بما ينسجم مع متطلبات الحماية والاستهلاك المحلي.

من جهته، يرى المعهد الموريتاني لبحوث المحيطات والصيد (IMROP) أن الأمل لم يختف كليًا، مشيرًا إلى بوادر تعافٍ في بعض الأنواع، في حين يظل البعض الآخر مهددًا بشدة. ويؤكد خبراء المعهد أن خفض معدل نفوق الأسماك بنسبة 60% يُعد أمرًا حاسمًا لاستعادة التوازن البيولوجي في البيئة البحرية الوطنية.

في بلد يتنفس البحر ويتغذى من خيراته، لا يبدو أن موريتانيا تملك رفاهية التأجيل. فمع تغيّرات المناخ، وتزايد الطلب العالمي على المنتجات البحرية، وامتداد أنشطة الصيد غير المستدام، فإن الحفاظ على الثروة السمكية بات شرطًا للبقاء، لا مجرد خيار سياسي أو اقتصادي.

حماية المخزون البحري اليوم هو استثمار مباشر في مستقبل الغذاء، وفرص العمل، والسيادة على الموارد الطبيعية، ليس فقط في موريتانيا، بل في منطقة الساحل الإفريقي برمتها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد