في الوقت الذي تهيمن فيه الأصوات المرتفعة والقراءات المتسرعة على النقاشات العامة، يعود اسم المعهد الموريتاني لبحوث المحيطات والصيد (IMROP) إلى الواجهة، لكن هذه المرة ليس من باب إنجاز علمي جديد أو حملة بحرية دقيقة، بل من خلال جدل أثاره بيان تقني نُشر في إطار عمله الاعتيادي.
بعيدًا عن الضجيج، يجدر التذكير بأن IMROP ليس مجرد مؤسسة إدارية تابعة لوزارة الصيد والاقتصاد البحري، بل هو ذاكرة علمية حية بدأت منذ 1953 في نواذيبو، وشهدت تحولات كبيرة إلى أن صار معهدًا مستقلاً سنة 2002. مهمة المعهد لا تنحصر في الدراسات المكتبية أو التحاليل المعملية، بل تشمل الخروج إلى البحر، رصد التغيرات، قياس المؤشرات البيئية، وتقديم توصيات مبنية على الأدلة، بعيدًا عن أي حسابات ظرفية.
من تقييم المخزونات السمكية إلى تتبع الدورة البيولوجية للأخطبوط، ومن صياغة فترات الراحة البيولوجية إلى التعاون الدولي كما حصل في حملة غينيا بيساو سنة 2011، ظل المعهد يُنتج معرفة علمية تُبنى عليها السياسات، وتُرسم بها معالم الصيد المستدام.
لكن، وعلى الرغم من هذا الدور المحوري، يواجه المعهد تحديات صعبة؛ أبرزها محدودية الموارد، صعوبة تعويض الكفاءات التي تغادر أو تتقاعد، وضعف التقدير العام لقيمة البحث العلمي في إدارة الثروات الطبيعية. ورغم ذلك، لم تتراجع وتيرة العمل، بفضل إشراف فريق وطني مشهود له بالكفاءة، يتقدمه المدير العام الحالي السيد محمد الحافظ ولد أجيون، المهندس الخبير الذي راكم تجربة غنية في دواليب الوزارة، وجعل من المعهد واجهة للجدية والمهنية.
ففي وقت تتعالى فيه الأصوات للمطالبة بحماية الثروة البحرية، لا يمكن تجاهل أن هذه الحماية تمر حصرًا عبر بوابة العلم، والمعهد يُمثل هذه البوابة. كل بيان يصدر عنه هو نتاج معادلات بيولوجية ومعطيات ميدانية وليس رأيًا شخصيًا أو موقفًا سياسيًا.
إن ردود الفعل التي واكبت البيان الأخير، تطرح سؤالًا أعمق: هل هناك وعي كافٍ بدور المؤسسات العلمية في رسم مستقبل الصيد البحري؟ أم أن الحاجة باتت ملحة لمصالحة المجتمع مع المعرفة، واحترام التخصص، وتمكين مؤسسات البحث من أداء مهامها بدون تشويش؟
في زمن تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية مع الضرورات البيئية، يظل IMROP واحدًا من الحلقات القليلة التي تربط الدولة بالعلم، والمجتمع بالحقيقة. وربما يكون الأجدر ألا يُساءل عن بيانه، بل يُدعم ليستمر في دوره، لأنه ببساطة: لا استدامة دون علم، ولا قرار صائب دون بيانات.
