هذا ما جاء في مشروع القانون لحماية الحيوانات الضالة بالمغرب

 

 

يأتي مشروع القانون 19.25 في امتداد لمسار طويل من المبادرات والبرامج التي أطلقتها المملكة المغربية لترسيخ ثقافة الرفق بالحيوان، وتحقيق توازن دقيق بين حماية الكائنات الحية وضمان الأمن والصحة العامة.

فمنذ سنوات، لم تتعامل المملكة مع ظاهرة الحيوانات الضالة باعتبارها مجرد ملف هامشي، بل أولتها عناية خاصة من خلال برامج وطنية ذات أبعاد إنسانية وصحية، كان أبرزها تطبيق تقنية TNVR (جمع الكلاب الضالة، تعقيمها، تلقيحها، ثم إعادتها إلى بيئتها الطبيعية)، وهو أسلوب حضاري ينسجم مع التوصيات الدولية ويقطع مع الأساليب التقليدية التي لم تكن تحقق نتائج دائمة.

المشروع الجديد يعكس هذه الرؤية المتقدمة، إذ يضع إطارا قانونيا متكاملا يجرم بشكل واضح وصريح أي فعل من أفعال التعذيب أو سوء المعاملة الموجهة ضد الحيوانات الضالة، بما يسد فجوة قانونية كانت قائمة رغم وجود مقتضيات عامة في الفصول 601 و602 و603 من القانون الجنائي.

ولإضفاء الصرامة على هذه المقتضيات، يقترح المشروع عقوبات مالية قد تصل إلى مستويات رادعة، وأخرى سالبة للحرية حسب خطورة الأفعال، ما يشكل ضمانة لوقف الانتهاكات وحماية هذه الفئة من الحيوانات.

وفي جانب الرعاية، يفرض المشروع إحداث مراكز متخصصة لرعاية الحيوانات الضالة، تتولى جمعها ورصدها في الميدان، ونقلها بوسائل تحترم شروط السلامة، مع استقبال الحالات المتخلى عنها.

وتخضع هذه الحيوانات لفحص بيطري شامل لتقييم حالتها الصحية والسلوكية، ثم يتم تلقيحها ضد الأمراض الخطيرة وترقيمها إلكترونيا لتسهيل متابعتها وضمان عدم فقدانها مجددا في دائرة الإهمال. هذه المراكز لن تكون مجرد فضاءات إيواء، بل بنية مؤهلة للتدخل الطبي والوقائي، ولتأهيل الحيوانات لإعادة دمجها في بيئات آمنة أو توفير فرص تبني لها.

ولضمان جودة الأداء، نص المشروع على إخضاع هذه المراكز لمراقبة دورية من طرف لجان مختصة، تتأكد من مطابقة الخدمات للمعايير الصحية والإنسانية، ومن التزامها التام بأحكام القانون ونصوصه التطبيقية، هذه المراقبة لا تهدف فقط إلى الردع، بل أيضا إلى التحسين المستمر وضمان الشفافية في تدبير هذا الملف.

بهذا الإطار التشريعي، يكرس المغرب مسارا طويلا من الإصلاحات التي جعلت من ملف الحيوانات الضالة قضية ذات بعد حضاري وإنساني، تعكس صورة دولة تجمع بين الصرامة في حفظ النظام العام والرحمة في معاملة الكائنات الحية، بما ينسجم مع قيمها الوطنية والتزاماتها الدولية.

إن مشروع القانون 19.25 ليس مجرد نص تنظيمي، بل إعلان عن مرحلة جديدة من التعاطي مع الظاهرة، برؤية مستدامة تنقلها من معالجة ظرفية إلى سياسة عمومية متكاملة، تحفظ أمن المواطنين وتضمن كرامة الحيوان

 

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد