هل تستعد الجزائر لتغيير موقفها من المغرب؟

 

شهدت الأيام الأخيرة تطورات رمزية ولافتة في العلاقات المغربية الجزائرية، رغم غياب أي إعلان رسمي عن تحول واضح في موقف النظام الجزائري. أبرز هذه الإشارات تجلى في الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش، والذي جدد فيه جلالة الملك محمد السادس التأكيد على التزام المغرب الصادق بسياسة “اليد الممدودة” تجاه الجزائر، في تعبير جديد عن تمسك المملكة بثوابت الأخوة والتكامل المغاربي.

غير أن ما ميز هذه السنة عن سابقاتها، هو الصمت غير المعتاد من الإعلام الرسمي الجزائري، والذي اعتاد في السنوات الماضية على مهاجمة المبادرات الملكية وتبخيس مضمونها، خصوصا منذ القرار الأحادي للنظام العسكري الجزائري بقطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب في صيف 2021. وهو كان أحادي، دون مبرر حقيقي أو خطوة مغربية استفزازية تبرره.

هذا الصمت، وإن لم يحمل موقفا واضحا، إلا أنه يفتح الباب أمام التأويلات حول وجود مراجعة محتملة في الخطاب والسلوك الرسمي الجزائري.

ما يدفع إلى هذا التأويل أكثر، هو ما رصد من حركة غير عادية في مقر السفارة الجزائرية بالرباط، حيث انطلقت أشغال ترميم وصيانة شاملة لبناية بقيت مهجورة لأزيد من أربع سنوات، دون أي تدخل أو اهتمام من السلطات الجزائرية.

هذه الإصلاحات، التي شملت الواجهة والجدران والفضاءات الداخلية، جرت في غياب أي توضيح رسمي، وهو ما يطرح السؤال حول ما إذا كانت الجزائر بصدد إعادة الروح إلى تمثيليتها الدبلوماسية بالمغرب، أم أن الأمر لا يتعدى صيانة عادية لممتلكاتها.

لكن هذه التحركات لا يمكن فصلها عن سياقات إقليمية ودولية ضاغطة، أهمها تصاعد الدعم الدولي لمغربية الصحراء ولمبادرة الحكم الذاتي، إلى جانب زيارة مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مسعد بولس، إلى الجزائر، وهي زيارة تشير إلى تزايد الضغوط على النظام الجزائري لإعادة النظر في تعاطيه مع ملف الصحراء.

كما أن الاستقبال المفاجئ للرئيس تبون للكاتب الجزائري رشيد بوجدرة، المعروف بدعمه الصريح لمغربية الصحراء، يشكل مؤشرا رمزيا لا يمكن تجاهله. فبوجدرة لطالما كان محسوبا على التيار الثقافي المناصر للوحدة الترابية المغربية، وتم إقصاؤه من المشهد الإعلامي الرسمي الجزائري بسبب مواقفه. وبالتالي، فإن استقباله في هذا التوقيت يوحي بتحول محتمل في طريقة تدبير النظام لرمزية الخطاب الداخلي والخارجي المرتبط بهذا الملف.

الخطاب الملكي الأخير جاء، إذا، ليعيد التأكيد على ثوابت المغرب، وفي الوقت ذاته يفتح الباب أمام النظام الجزائري للخروج من مأزق صنعه بنفسه، بخطاب ودي، لكن واضح في رسالته السياسية: المغرب لن يغير موقعه الجغرافي ولا موقفه من الجزائر، والوحدة المغاربية لا يمكن أن تتحقق دون علاقة طبيعية بين الرباط والجزائر.

فهل تكون هذه المؤشرات بداية لمراجعة جزائرية شجاعة لمواقفها؟ أم أن الأمر لا يتعدى مجرد صمت ظرفي قبل عودة الأبواق إلى نغمتها المعتادة؟

الأسابيع المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة.

 

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد