وقف تصدير السردين المغربي يربك صناعة التعليب في إسبانيا ويعيد الجدل حول أولوية السوق الوطنية

صوت الصحراء
أعاد قرار المغرب القاضي بوقف تصدير السردين المجمد ابتداءً من فاتح فبراير المقبل ترتيب النقاش حول أولويات تدبير الثروة السمكية، بعدما كشف عن تباين واضح في المصالح بين السوق الوطنية والشركاء الصناعيين في الخارج، وعلى رأسهم إسبانيا. فالخطوة التي أعلنتها كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، زكية الدريوش، جاءت استجابة لمعطيات داخلية مرتبطة بندرة العرض وارتفاع الأسعار، لكنها في المقابل أثارت مخاوف حقيقية لدى الفاعلين في الصناعة التحويلية الأوروبية.
وتُعد إسبانيا من أكثر الدول تأثرًا بهذا القرار، بالنظر إلى اعتماد مصانعها بشكل شبه كلي على السردين المغربي كمصدر أساسي للتزويد. وفي هذا السياق، دقّت الرابطة الوطنية لمصنعي المنتجات البحرية المعلبة والمعالجة بإسبانيا (ANFACO-CYTMA) ناقوس الخطر، محذّرة من انعكاسات مباشرة على نشاط وحدات التعليب وعلى استقرار اليد العاملة في هذا القطاع. وأبرزت الرابطة أن واردات السردين المجمد القادمة من المغرب خلال الأشهر العشرة الأولى من السنة الماضية ناهزت 27.4 ألف طن، ما يمثل 94 في المائة من إجمالي الواردات الإسبانية من خارج الاتحاد الأوروبي، وهو رقم يعكس حجم الارتهان الصناعي للمورد المغربي.
وترى الهيئة المهنية الإسبانية أن توقف هذا الإمداد، ولو بشكل مؤقت، قد يربك سلاسل الإنتاج ويضع المصانع أمام صعوبات حقيقية في تأمين المواد الأولية، خاصة في ظل ضعف البدائل الدولية القادرة على تعويض الكميات المغربية بنفس الجودة والكلفة. كما كشفت أنها سبق أن نبّهت السلطات المغربية إلى تداعيات قرارات من هذا النوع، داعية إلى اعتماد حلول تقنية قائمة على البحث العلمي لضمان استدامة مخزون السردين، مع اقتراح الانفتاح على تعاون علمي مشترك مع مؤسسات متخصصة، مثل المعهد الإسباني لعلوم المحيطات.
وفي امتداد لهذه المخاوف، أشارت الرابطة إلى أن السوق الأوروبية تشكل الرئة الأساسية لصادرات السردين المعلب الإسباني، ما يجعل أي اضطراب في التزود بالمواد الخام ذا أثر مباشر على التوازن التجاري داخل الاتحاد الأوروبي. فبين يناير وأكتوبر 2025، استوردت دول الاتحاد أكثر من 17 ألف طن من معلبات السردين من خارج فضائه، أي ما يعادل 89 في المائة من إجمالي الواردات، مقابل إنتاج إسباني لم يتجاوز 13 ألف طن سنة 2024، وهو ما يبرز محدودية القدرة الذاتية للصناعة الإسبانية وحجم المنافسة التي يمثلها المغرب.
في الجهة المقابلة، تؤكد الحكومة المغربية أن القرار تحكمه اعتبارات سيادية واقتصادية بالدرجة الأولى. فحسب زكية الدريوش، فإن تعليق تصدير السردين المجمد جاء بعد رصد اختلالات في تموين السوق الوطنية، وارتفاع ملحوظ في الأسعار، ما استدعى تدخلاً عاجلاً بتنسيق مع وزارة الصناعة والتجارة لضمان وفرة المنتوج وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
وأوضحت المسؤولة الحكومية أن ضبط سوق الأسماك لا يرتبط فقط بمنع التصدير، بل يندرج ضمن مجهود أوسع يشمل مراقبة قنوات التوزيع، والتصدي للمضاربة والممارسات غير المشروعة. كما شددت على أن أسعار الأسماك تتأثر بعوامل مركبة، من بينها الظروف المناخية، وتكاليف الصيد، وسلسلة التبريد والنقل، فضلاً عن هوامش الربح التي يفرضها الوسطاء، معتبرة أن هذا القرار سيساهم في التخفيف من الضغط على الأسعار وإعادتها إلى مستويات أكثر توازنًا.
ويكشف هذا المستجد، في العمق، عن معادلة معقدة تواجهها السياسات العمومية في مجال الصيد البحري، بين ضرورة الحفاظ على الموارد البحرية وتأمين الحاجيات الداخلية، وبين متطلبات الشراكة الاقتصادية والانخراط في سلاسل الإنتاج الدولية. وهي معادلة مرشحة لمزيد من النقاش، في ظل تصاعد الرهانات المرتبطة بالأمن الغذائي والاستدامة والعدالة في توزيع الثروات البحري

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد

عاجل

والدة المحامي حميد الزيتوني في ذمة الله